فلما نعي الناعي بريدا تعوّلت ... بي الأرض فرط الحزن وانقطع الظهر
عساكر تغشى النفس حتى كأنّنى ... أخو نشوة دارت بهامته الخمر
إلى الله أشكو في بريد مصيبتي ... وبثّي وأحزانا يجيش بها الصّدر
وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر
وما زال في عينيّ بعد غشاوة ... وسمعي عما كنت أسمعه وقر
على أنني أقنى الحياء وأتّقي ... شماتة أقوام عيونهم خزر
فحيّاك عنّي الليل والصبح إذ بدا ... وهوج من الأرواح غدوتها شهر
سقى جدثا لو أستطيع سقيته ... بأود فروّاه الرّواعد والقطر
ولا زال يسقى من بلاد ثوى بها ... نبات إذا صاب الرّبيع بها نضر
حلفت بربّ الرافعين أكفّهم ... وربّ الهدايا حيث حلّ بها النّحر
ومجتمع الحجاج حيث تواقفت ... رفاق من الآفاق تكبيرها جأر
يمين امرئ آلى وليس بكاذب ... وما في يمين بتّها صادق وزر
لئن كان أمسى ابن المعذّر قد ثوى ... بريد لنعم المرء غيّبه القبر
هو المرء للمعروف والبرّ والنّدى ... ومسعر حرب لا كهام ولا غمر
أقام ونادى أهله فتحمّلوا ... وصرّمت الأسباب واختلف النّجر
فأيّ امرئ غادرتم في محلّكم ... إذا هي أمست لون آفاقها حمر
إذا الشّول [1] راحت وهي حدب ظهورها ... عجافا [2] ولم يسمع لفحل لها هدر
كثير رماد النار يغشى فناؤه ... ولم تثنه الزطباع عنا ولا الجدر
فلما نعى الناعي بريدا تغولّت ... إذا نودي الأيسار واحتضر الجزر
فتى كان يغلي اللحم نيئا ولحمه ... رخيص بكفّيه إذا تنزل القدر
يقسّمه حتى يشيع ولم يكن ... كآخر يضحي من غبيبته ذخر
فتى الحيّ والأضياف إن روّحتهم ... بليل وزاد القوم إن أرمل السّفر
إذا جهد القوم المطيّ وأدرجت [3] ... من الضّمر حتى يبلغ الحقب الضّفر
وخفّت بقايا زادهم وتواكّلوا ... وأكسف بال القوم مجهولة قفر
(1) الشول جمع شائلة وهي الناقة التي خف لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها سبعة أشهر أو ثمانية من وقت نتاجها فلم يبق في ضروعها إلا شول من اللبن أي: بقية مقدار ثلث ما كانت تحلب حدثان نتاجها. ط
(2) عجاف: هزلي وهو جمع أعجف وعجفاء. ط
(3) الإدراج: أن يضمر البعير فيضطرب بطانه حتى يستأخر إلى الحقب فيستأخر الحمل وإنما يسنف بالسناف مخالفة الإدراج. ط