لقد طال يا سوداء منك المواعد ... ودون الجد المأمول منك الفراقد
إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجد ... بفضل الغنى ألفيت مالك حامد
تمنّيننا غدا وغيمكم غدا ... ضباب فلا صحو ولا الغيم جائد
وقلّ غناء عنك مال جمعته ... إذا صار ميراثا وواراك لاحد
إذا أنت لم تعرك بجنبك بعض ما ... يريب من الأدنى رماك الأباعد
إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل ... عليك بروق جمّة ورواعد
إذا العزم لم يفرج لك الشّكّ لم تزل ... جنيبا كما استتلى الجنيبة قائد
إذا أنت لم تترك طعاما تحبّه ... ولا مقعدا تدعى إليه الولائد
تجلّلت عارا لا يزال يشبّه ... سباب الرجال نقرهم والقصائد [1]
وأنشدني أيضا: [الطويل]
تعزّ فإنّ الصبر بالحرّ أجمل ... وليس على ريب الزمان معوّل
فلو كان يغني أن يرى المرء جازعا ... لنازلة أو كان يغني التّذلّل
لكان التّعزّي عند كل مصيبة ... ونازلة بالحر أولى وأجمل
فكيف وكلّ ليس يعدو حمامه ... وما لامرئ عما قضى الله مزحل
فإن تكن الأيام فينا تبدّلت ... ببؤس ونعمى والحوادث تفعل
فما ليّنت منّا قناة صليبة ... ولا ذلّلتنا للذي ليس يجمل
ولكن رحلناها نفوسا كريمة ... تحمّل ما لا يستطاع فتحمل
وقينا بعزم الصبر منّا نفوسنا ... فصحّت لنا الأعراض والناس هزّل
[481] قال أبو بكر، قال عبد الرحمن: قال عمي: فقمت والله وقد أنسيت أهلي، وهان عليّ طول الغربة وشظف العيش سرورا بما سمعت، ثم قال لي: يا بني، من لم تكن استفادة الأدب أحبّ إليه من الأهل والمال لم ينجب.
* * * [482] وأنشدنا أبو بكر، قال: أنشدني أبو عثمان: [الطويل]
إذا ما فقدتم أسود العين كنتم ... كراما وأنتم ما أقام ألائم
أسود العين: جبل، والجبل لا يغيب، يقول: فأنتم لئام أبدا.
[483] وقرأت عليه لعديّ بن زيد يصف فرسا: [الطويل]
أحال عليه بالقناة غلامنا ... فأذرع به لخلّة الشاة راقعا
أذرع به أي: ما أذرعه أي: ما أسرعه! وقوله: لخلة الشاة راقعا أي: يلحقها فيرقع ما بينه وبينها من الفرجة حتى لا يكون بينهما فرجة، وحكي عن خلف الأحمر أنه قال: يعدو الفرس وبين الشاتين خلّة أي: فرجة فيدخل بينهما فكأنه رقع الخلة بنفسه لمّا سار فيها.
وحدثنا أبو بكر، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن عمه قال: سئل أعرابي عن مطر فقال: استقلّ سدّ مع انتشار الطّفل، فشصا واحزأل، ثم اكفهرّت أرجاؤه، واحمومت أرحاؤه، وابذعرّت فوارقه، وتضاحكت بوارقه، واستطار وادقه، وارتتقت جوبه، وارتعن هيدبه، وحشكت أخلافه، واستقلّت أردافه، وانتشرت أكنافه، فالرّعد مرتجس، والربق
(1) انظر: «التنبيه» [43] .