فقال له كثير: وأنت يا أبا فراس أفخر العرب حيث تقول: [الطويل]
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
وهذان البيتان لجميل سرق أحدهما كثير والآخر الفرزدق، فقال له الفرزدق: يا أبا صخر، هل كانت أمّك ترد البصرة؟ فقال: لا، ولكن أبي كان يردها [1] . قال طلحة بن عبد الله: والذي نفسي بيده لعجبت من كثير وجوابه، وما رأيت أحدا قط أحمق منه، رأيتني أنا وقد دخلت عليه ومعي جماعة من قريش، وكان عليلا فقلنا: كيف تجدك يا أبا صخر؟ قال:
بخير، هل سمعتم الناس يقولون شيئا؟ وكان يتشيّع. فقلنا: نعم، يتحدّثون أنك الدجال.
قال: والله لئن قلت ذاك أني لأجد ضعفا في عيني هذه منذ أيام [2] .
* * * [291] قال: وأنشدنا الزبير لبعض البصريين القشيريين: [الطويل]
ولما تبيّنت المنازل باللّوي ... ولم تقض لي تسليمة المتزود
زفرت إليها زفرة لو حشوتها ... سرابيل أبدان الحديد المسرّد
لفضّت حواشيها وظلت لحرّها ... تلين كما لانت لداود في اليد
قال: وحدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني مصعب بن عثمان قال: لما خرج محمد بن عبد الله بن حسن، قام على منبر المدينة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنه قد كان من أمر هذا الطاغية أبي جعفر من بنائه القبة الخضراء التي بناها معاندة لله في ملكه وتصغيره الكعبة الحرام، وإنما أخذ الله فرعون حين قال: أنا ربكم الأعلى، وإن أحق الناس بالقيام في هذا الدين أبناء المهاجرين الأوّلين والأنصار المواسين. اللهم إنهم قد أحلّوا حرامك، وحرّموا حلالك، وعملوا بغير كتابك، وغيّروا عهد نبيك صلى الله عليه وسلم، وآمنوا من أخفت، وأخافوا من آمنت، فأحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تبق على الأرض منهم أحدا.
[الصبر عند المصيبة، وترك البكاء لموت بعض الناس لا يعني عدم الاكتراث] :
قال: وأنشدنا الزبير لأعرابي: [الطويل]
وقالوا ألا تبكي خريم بن عامر ... فقلت وهل يبكي الذّلول الموقّع [3]
(1) العنفص: المرأة البذية القليلة الحياء. ط
(2) وردت القصة في «الأغاني» (9/ 3461) أنهما كانا يقصدان تعتير بعض السرقة.
(3) الموقع: الذي بظهره آثار الدبر لكثرة ما حمل عليه وركب فهو ذلول مجرب، يريد: وهل أبكى وأنا حكيم مجرب قد أصابني من البلاء ما أصابني. ط