وصار [1] ساه دهره ... مقارنا للكمد
ألا فمن يرحمني ... يرقّ لي من كمدي
ثم أطرق، فقلت: ما شأنه؟ فقال: عشق جارية لبعض أهله، فأعطى فيها كلّ ما يملك وهو سبعمائة دينار، فأبوا أن يبيعوها منه، فنزل به ما ترى وفقد عقله. قال: فخرجنا فلبثنا ما شاء الله، ثم مات فحضرت جنازته، فلما سوّي عليه التراب، فإذا أنا بجارية تسأل عن القبر، فدللتها عليه، فما زالت تبكي وتأخذ التراب وتجعله في شعرها، فبينا هي كذلك إذا قوم يسعون، فأقبلوا عليها ضربا. فقالت: شأنكم، والله لا تنتفعون بي بعده أبدا.
قال الأصمعي: كان عمرو بن معديكرب قد شهد فتح القادسية وفتح اليرموك وفتح نهاوند [2] مع النعمان بن مقرّن المزني، فكتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى النعمان: إن في جندك رجلين: عمرو بن معديكرب، وطليحة بن خويلد الأسدي، فأحضرهما الناس وشاورهما في الحرب ولا تولّهما عملا، والسلام. فلما قدم كتاب عمر بعث إليهما، فقال: ما عندك يا عمرو؟ فقال: أروني كبش القوم فأعتنقه حتى يموت أو أموت. وقال طليحة: أيّ ناحية شئتم فأنا أدخل على القوم منها، فلما التقوا أتاهم طليحة من خلفهم، وأما عمرو فشدّ على كميّ من القوم فقتله، وقتل النعمان بن مقرّن يومئذ، وأخذ الراية حذيفة بن اليمان حتى فتح الله عليهم. واجتمعت العرب فتفاخروا، فقال عمرو بن معد يكرب في ذلك: [الكامل]
لمن الديار بروضة السّلّان ... فالرّقمتين فجانب الصّمّان
لعبت بها هوج الرياح وبدّلت ... بعد الأنيس مكانس الثّيران
فكأنّ ما أبقين من آياتها ... رقم ينمّق بالأكفّ يماني
دار لعمرة إذ تريك مفلّجا ... عذب المذاقة واضح الألوان
خصرا يشبّه برده وبياضه ... بالثلج أو بمنوّر القحوان
وكأنّ طعم مدامة جبليّة ... بالمسك والكافور والريحان
والشّهد شيب بماء ورد بارد ... منها على المتنفّس الوهنان
وأغرّ مصقولا وعيني جؤذر ... ومقلّدا كمقلّد الأدمان [3]
سنّت عليه قلائدا منظومة ... بالشّذر والياقوت والمرجان
ولقد تعارفت الضّباب وجعفر ... وبنو أبي بكر بنو الهصّان
(1) كذا في النسخ وهو من باب قوله ولو أن واش، والمدار على صحة الرواية. ط
(2) «البداية والنهاية» (10/ 117) .
(3) الأدمان جمع آدم، والأدمة في الظباء: لون مشرب بياضا. ط