وما لا بدّ أن يأتي قريب ... ولكنّ الذي يمضي بعيد
ثم قال: أي بنيّ، لا تزهدنّ في معروف فإن الدهر ذو صروف، والأيام ذات نوائب، على الشاهد والغائب، فكم من راغب قد كان مرغوبا إليه، وطالب أصبح مطلوبا ما لديه، واعلم أن الزمان ذو ألوان، ومن يصحب الزمان يرى الهوان، وكن أي بنيّ كما قال أبو الأسود الدؤلي [1] : [الطويل]
وعدّ من الرحمن فضلا ونعمة ... عليك إذا ما جاء للعرف طالب
وإن امرأ لا يرتجى الخير عنده ... يكن هيّنا ثقلا على من يصاحب
فلا تمنعن ذا حاجة جاء طالبا ... فإنك لا تدري متى أنت راغب
رأيت التوا هذا الزمان بأهله ... وبينهم فيه تكون النوائب
[الجود، وكتمان السرّ] :
ثم قال: أي بني، كن جوادا بالمال في موضع الحق، بخيلا بالأسرار عن جميع الخلق، فإن أحمد جود المرء: الإنفاق في وجه البرّ، وإن أحمد بخل الحر: الضّنّ بمكتوم السّر، وكن كما قال قيس بن الخطيم الأنصاري:
أجود بمكنون التّلاد وإنني ... بسرّك عمّن سالني لضنين
إذا جاوز الإثنين سرّ فإنه ... بنت وتكثير الحديث قمين
وعندي له يوما إذا ائتمنتني ... مكان بسوداء الفؤاد مكين
[من شيم الكرام] :
ثم قال: أي: بنيّ، وإن غلبت يوما على المال، فلا تدع الحيلة على حال فإن الكريم يحتال، والدّنيّ عيال، وكن أحسن ما تكون في الظاهر حالا، أقلّ ما تكون في الباطن مالا فإن الكريم من كرمت طبيعته، وظهرت عند الإنفاد نعمته، وكن كما قال ابن خذّاق العبدي:
[الوافر]
وجدت أبي قد اورثه أبوه ... خلالا قد تعدّ من المعالي
فأكرم ما تكون عليّ نفسي ... إذا ما قل في الأزمات مالي
فتحسن سيرتي وأصون عرضي ... ويجمل عند أهل الرأي حالي
وإن نلت الغنى لم أغل فيه ... ولم أخصص بجفوتي الموالي
[أدب المحسود] :
ثم قال: أي: بني، وإن سمعت كلمة من حاسد، فكن كأنك لست بالشاهد، فإنك إن
(1) انظر: «التنبيه» [107] .