ولقد نظرت إلى أغرّ مشهّر ... بكر توسّن بالخميلة عونا
متسنّم سنماتها متفجّس ... بالهدر يملأ أنفسا وعيونا
لقح العجاف له لسابع سبعة ... وشربن بعد تحلّؤ فروينا
يعني بأغرّ: سحابا فيه برق أو هو أبيض. وبكر: لم يمطر قبل ذلك. وتوسّن: طرقها ليلا عند الوسن أي: وقت اختلاط النّعاس بعيون الناس، يقال: توسّنت الرجل أي: أتيته وهو وسنان، والخميلة: رملة كثيرة الشجر. وعون: جمع عوان، وهي الأرض التي قد أصابها المطر مرة، وهذا مثل وأصله في النساء، قال الكسائي: العوان: التي قد كان لها زوج، ومنه قيل: حرب عوان. وقوله: متسنّم، شبهه بالبعير الذي يتسنّم أسنمة الإبل أي:
يعلوها. والسنمات: العظام السّنام، يريد أن هذا السحاب كأنه يتسنّم التّلال والآكلام أي:
يعلوها، وهو مثل. ومتفجّس: متكبر. بالهدر: يعني رعده. وقوله: يملأ أنفسنا: تعجبا منه، وقال بعضهم: لهولها. ولقحت: نبت عشبها. والعجاف: الأرضون التي لم تمطر، وهو مثل. بعد تحلؤ: بعد منع من الماء.
[480] قال أبو علي: وحدثنا أبو بكر، قال: أخبرنا عبد الرحمن، قال: سمعت عمي يحدث سرّان أبا العباس ابن عمه وكان من أهل العلم قال: سهرت ليلة من لياليّ بالبادية، وكنت نازلا عند رجل من بني الصّيداء من أهل القصيم، وكان وا عليه السلام واسع الرّحل، كريم المحلّ، فأصبحت وقد عزمت على الرجوع إلى العراق، فأتيت أبا مثواي فقلت: إني قد هلعت من الغربة واشتقت أهلي، ولم أفد في قدمتي هذه إليكم كبير علم، وإنما كنت أغتفر وحشة الغربة وجفاء البادية للفائدة، فأظهر توجّعا، ثم أبرز غداء له فتغديت معه، وأمر بناقة له مهريّة كأنها سبيكة لجين فارتحلها واكتفلها، ثم ركب وأردفني وأقبلها مطلع الشمس، فما سرنا كبير مسير حتى لقينا شيخ على حمار له جمّة قد ثمغها كالورس فكأنها قنّبيطة، وهو يترنّم، فسلم عليه صاحبي وسأله عن نسبه، فاعتزى أسديّا من بني ثعلبة، فقال: أتنشد أم تقول؟ فقال: كلّا، فقال: أين تؤمّ؟ فأشار إلى ماء قريب من الموضع الذي نحن فيه، فأناخ الشيخ وقال لي: خذ بيد عمك فأنزله عن حماره، ففعلت، فألقى له كيسا قد كان اكتفل به، ثم قال: أنشدنا رحمك الله وتصدّق على هذا الغريب بأبيات يعيهنّ عنك ويذكرك بهن، فقال: إي ها الله إذا! ثم أنشدني: [الطويل]
لقد طال يا سوداء منك المواعد ... ودون الجد المأمول منك الفراقد
إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجد ... بفضل الغنى ألفيت مالك حامد
تمنّيننا غدا وغيمكم غدا ... ضباب فلا صحو ولا الغيم جائد
وقلّ غناء عنك مال جمعته ... إذا صار ميراثا وواراك لاحد
إذا أنت لم تعرك بجنبك بعض ما ... يريب من الأدنى رماك الأباعد
إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل ... عليك بروق جمّة ورواعد
إذا العزم لم يفرج لك الشّكّ لم تزل ... جنيبا كما استتلى الجنيبة قائد
إذا أنت لم تترك طعاما تحبّه ... ولا مقعدا تدعى إليه الولائد
تجلّلت عارا لا يزال يشبّه ... سباب الرجال نقرهم والقصائد (1)
وأنشدني أيضا: [الطويل]