فقالت لها الظريفة: قتلتيه قتلك الله! فقالت مي: إنه لصحيح وهنيئا له. قال: فتنفس ذو الرمة تنفّسا كاد يطير حرّه شعر وجهي، قال: ثم أنشدت حتى بلغت إلى قوله:
وقد حلفت بالله ميّة ما الذي ... أحدّثها إلا الذي أنا كاذبه
إذا فرماني الله من حيث لا أرى ... ولا زال في أرضي عدوّ أحاربه
قال فقالت ميّ: خف عواقب الله عز وجل يا غيلان، قال: ثم أنشدت حتى بلغت إلى قوله:
إذا نازعت القول ميّة أو بدا ... لك الوجه منها أونضا الدّرع سالبه
فيالك من خدّ أسيل ومنطق ... رخيم ومن خلق تعلّل جادبه [1]
قال فقالت الظريفة: هذا الوجه قد بدا، وهذا القول قد تنوزع فيه، فمن لنا بأن ينضو الدرع سالبه، فقالت ميّ: صلى الله على رسول الله ما أنكر ما تجيبين به منذ اليوم. قال:
فقامت الظريفة وقمن معها، فقالت: دعوهم فإن لهم لشأنا، فقمت فجلست ناحية، وجلسا بحيث نراهما ولا نسمع من كلامهما إلا الحرف بعد الحرف، والله ما رأيتهما برحا من مكانهما، وسمعتها تقول له: كذبت، فو الله ما أدري ما الذي كذّبته فيه إلى الساعة. ثم خرج ومعه قارورة فيها دهن وقلائد، فقال: أعصمة، هذه دهنة طيّبة أتحفتنا بها ميّ وهذه قلائد قلّدتها ميّ الجؤذر، ولا والله لا قلّدتهنّ بعيرا أبدا، فعقدهنّ في ذؤابة سيفه وانصرفنا. فلما كان بعد، أتاني فقال: هيا عصمة: قد رحلت ميّ فلم يبق إلا الديار، والنظر في الآثار، فانهض بنا ننظر إلى آثارها. قال: فركب وتبعته، فلما أشرف على المرتبع قال: [الطويل]
ألا يا اسلمى يا دار ميّ على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر
وإن لم تكوني غير شام بقفرة ... تجرّ بها الأذيال صيفيّة كدر
قال: ثم انفضخت عيناه بالبكاء، فقلت: مه يا ذا الرمة، فقال: إنّي لجلد على ما ترى، وإنّي لصبور. قال: فما رأيت رجلا أشدّ صبابة ولا أحسن عزاء منه. ثم افترقنا فكان آخر العهد به. قال عصمة: وكانت ميّ صفراء أملودا واردة الشعر حلوة ظريفة، وإنّ في النساء اللاتي معها لأحسن منها، وكان عليها ثوب أصفر ونطاق أخضر.
قال: وأنشدنا لابن أذينة: [الكامل]
ولقد وقفت على الديار لعلّها ... بجواب رجع تحيّة تتكلم
لبثوا ثلاث [2] منّى بمنزلة غبطة ... وهم على عجل لعمرك ماهم
(1) أي: لا يجد فيه مقالا ولا يجد فيه عيبا يعيبه به فيتعلل بالباطل وبالشيء يقوله وليس يعيب. كذا في «اللسان» . ط
(2) يريد ثلاثة أيام التشريق وهي التي يقف فيها الحاج بمنى. ط