كما أن كبار العلماء كانوا يعرفون مكانته وفضله فلم يتوان إمام كبير مثل أبي بكر الزبيدي النحوي صاحب كتاب «مختصر العين» و «أخبار النحويين» وكان حينئذ إماما في الأدب من الأخذ عنه وملازمته وذلك لأنه عرف فضل أبي علي فمال إليه واختص به واستفاد منه وأقرّ له.
وعند ما تحول أبو علي إلى الأندلس، لنشر علمه، دخلها في سنة ثلاثين وثلاثمائة ففرح به صاحبها الناصر الأموي. وصنف له ولولده المستنصر تصانيف.
ويقول الحميدي: ووصل إلى الأندلس في سنة ثلاثين وثلاثمائة في أيام عبد الرحمن الناصر وكان ابنه الأمير أبو العاص الحكم بن عبد الرحمن من أحب ملوك الأندلس للعلم وأكثرهم اشتغالا به وحرصا عليه، فتلقّاه بالجميل، وحظي عنده وقرب منه وبالغ في إكرامه ويقال إنه هو الذي كتب إليه ورغّبه في الوفود عليه، واستوطن قرطبة ونشر علمه بها.
فتأمل تلك المنزلة التي تبوأها أبو علي في العلم حتى يكتب إليه أمير الأندلس يرغبه في الإقامة عنده لنشر علمه.
مؤلفاته:
ألّف أبو علي القالي الكثير من المؤلفات المتقنة والتي قال عنها الحميدي:
وكانت كتبه في غاية التقييد والضبط والإتقان، وقد ألف في علمه الذي اختص به تآليف مشهورة تدل على سعة علمه وروايته.
ومن هذه الكتب: كتاب «الأمالي» وكتاب «الممدود والمقصور» رتّبه على التفعيل ومخارج الحروف من الحلق، مستقصى في بابه لا يشذ منه شيء في معناه، لم يوضع مثله، و «كتاب الإبل ونتاجها وما تصرف معها» . وكتاب «حلي الإنسان» و «الخيل وشياتها» وكتاب «فعلت وأفعلت» وكتاب «مقاتل الفرسان» وكتاب «تفسير السبع الطوا» ل، وكتاب «البارع في اللغة» على حروف المعجم، جمع فيه كتب اللغة يشتمل على ثلاثة آلاف ورقة. قال الزبيدي:
ولا نعلم أحدا من المتقدمين ألف مثله إلى كتب كثيرة ارتجلها وأملاها عن ظهر قلب كلها.
وفاته:
توفي القالي بقرطبة في شهر ربيع الآخر، وقيل جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثلاثمائة ليلة السبت لست خلون من الشهر المذكور وصلى عليه عبد الله الجبيري. ودفن بمقبرة متعة ظاهر قرطبة. رحمه الله تعالى.
جرى القالي رحمه الله في كتابه «الأمالي» على طريقة السلف في مثل هذا النوع من التصنيف، حيث يسرد المصنف ما حضره، ويملي ما أراده في مجالس متفرّقة، لا ينتظمها سلك واحد، ولا يشملها باب بعينه، وهذه طريقة كتب «الأمالي» القديمة، وقد اشتهر هذا
النوع من التصنيف في العصر القديم، وشمل ذلك اللغة والحديث وغيرهما من علوم الإسلام، ووردت إلينا طائفة من المصنفات في مختلف العلوم تحمل اسم «الأمالي» ، لا تلتزم منهجا بعينه في إيراد المرويّات والأخبار، وإنما تذكر الشيء مفرّقا، وتجمع بين أبواب متباينة، ومسائل متمايزة، ومع ذلك فربما ذكر المصنّف الشيء ونظيره، أو استطرد في باب بعينه، على وتيرة: «الشيء بالشيء يذكر» ، وربما فعل القالي ذلك فينبغي الفطنة لهذا عند النّقل من هذا الكتاب.