جرى القالي رحمه الله في كتابه «الأمالي» على طريقة السلف في مثل هذا النوع من التصنيف، حيث يسرد المصنف ما حضره، ويملي ما أراده في مجالس متفرّقة، لا ينتظمها سلك واحد، ولا يشملها باب بعينه، وهذه طريقة كتب «الأمالي» القديمة، وقد اشتهر هذا
النوع من التصنيف في العصر القديم، وشمل ذلك اللغة والحديث وغيرهما من علوم الإسلام، ووردت إلينا طائفة من المصنفات في مختلف العلوم تحمل اسم «الأمالي» ، لا تلتزم منهجا بعينه في إيراد المرويّات والأخبار، وإنما تذكر الشيء مفرّقا، وتجمع بين أبواب متباينة، ومسائل متمايزة، ومع ذلك فربما ذكر المصنّف الشيء ونظيره، أو استطرد في باب بعينه، على وتيرة: «الشيء بالشيء يذكر» ، وربما فعل القالي ذلك فينبغي الفطنة لهذا عند النّقل من هذا الكتاب.
وقد حرص القالي في كتابه هذا على سرد الأخبار والحكايات بأسانيده التي وصلت إليه عن طريقها، وميّز بين الروايات إن وجدت أكثر من رواية للخبر الواحد، وحاكم بين الألفاظ، واختار الأصح والأرجح، واستدلّ القالي لاختياراته بما عرف من لغة العرب، وأورد أدلّته في ذلك من كلام العرب وأشعارها، ومادّته في هذا الباب غزيرة جدّا.
وحرص القالي على شرح الألفاظ الغريبة فيما يورده من كلام العرب وأشعارها، والغريب يختلف باختلاف الأزمان، فربما ترك السلف شيئا لوضوحه ثم رأينا نفس الشيء مستعجما على من بعدهم، وهذا باب واسع.
وقد حرص القالي أيضا على إيراد طائفة من أمثال العرب وأقوالها، وشرح المراد من ذلك لدى العرب، واعتمد في ذلك كله على أئمة اللغة، وأعلام الدّرب كالأصمعي وغيره. وساعده على هذا المسلك الجادّ ما سبق له من تلمذة على يد الأكابر من شيوخه أمثال ابن دريد وابن الأنباري رحمهما الله.
وقد يذكر القالي شيئا سمعه من بعض مشايخه أو قرأه عليه، فيستطرد في ذكر بعض الأشياء التي سمعها من هذا الشيخ أو قرأها عليه، وإن لم تنتظم في موضوع واحد، ثم يتحوّل إلى شيخ آخر من مشايخه فيذكر بعض ما تحمّله عنه من العلم.
وربما أورد القالي جملة أشياء مترابطة في موضع واحد عن شيخ واحد من مشايخه.
وربما قرأ القالي شيئا مما أورده على جماعة من أهل العلم، فيميز القالي بين رواياتهم، ويشرح ذلك بوضوح.
وقد حرص القالي رحمه الله على تنوّع مادة كتابه، فأورد فيه ما يتعلّق بلغة العرب شرحا وبيانا، كما أورد طائفة من أمثال وأشعار وأقوال العرب، وطرّز ذلك بأخبر الخلفاء والأمراء وبعض ما رآه من نوادر الحمقي والنساء وغير ذلك مما شحن به كتابه، فجاء كتابه مستوعبا لجملة من الفنون، جامعا لأخبار الناس وحكاياتهم، إلى جانب ما ذكره من غريب لغة العرب، وما فسّره من آي الذّكر الحكيم وأحاديث النبيّ الأمين صلّى الله عليه وسلم، فضلا عمّا أورده من وجوه القراءات، وطرائف الحكمة، وففنون الموعظة وأحوال الناس وصروف الدّهر.
أضف إلى ذلك ما شحن القالي به كتابه من أخبار الهوى، وأحاديث العشق، وأشعار الغرام.