أمّا القطاة فإنّي سوف أنعتها ... نعتا يوافق نعتي بعض ما فيها
سكّاء مخطومة في ريشها طرق ... سود قوادمها صفر خوافيها
تنتاش صفرا بأفحوص بقنّتها ... يكاد يأزي على الدّعموص آزيها
تسقي رذيّين بالموماة قوتهما ... في ثغرة النّحر من أعلى تراقيها
كأن مجلوزة قدّام جؤجؤها ... أو جرو حنظلة لم يعد واعيها
تشتقّ في حيث لم تنفذ مصعّدة ... ولم تصوّب إلى أدنى مهاويها
حتى إذا استأنيا للوقت واحتضرت ... تجرّسا الوحي منها عند غاشيها
فرفّعا من شئون غير زاكية ... على لديدي أعالي المهد ألحيها
مدّا إليها بأفواه ميسّرة ... صعرا ليستنزلاها الرّزق من فيها
كأنّها حين مدّاها لرزقهما ... طلى بواطنها بالورس طاليها
حثلين رضّا رفاض القيض عن زغب ... ورق أسافلها بيض أعاليها
ترأّدا حين قاما ثمّت اختطيا ... على نحائف ميّاد مجاثيها
تكاد من لينها تنآد أسوقها ... تأوّد الرّبل لم تعرد نواميها
لا أشتكي نوشة الأيّام من ورقي ... إلا إلى من أرى أن سوف يشكيها
لدلهم مأثرات قد عرفن له ... إنّ المآثر معدود مساعيها
تنمي به من بني لأي دعائمها ... ومن جمانة لم تخضع سواريها
بنى له في بيوت المجد والده ... وليس من ليس يبنيها كبانيها
قال أبو علي: حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم، قال: ذهب بعضهم إلى أن لا جرم أصله تبرئة ونفي بمنزلة لا بدّ ولا محالة، ثم نقل عن التبرئة إلى القسم كما قالوا: لأقومنّ حقّا يقينا، ثم قدموا حقّا فجعلوه قسما فقالوا: حقّا لأزورنّك. وجرم اسم منصوب بلا على التبرئة، ولا خبرها هنا للتبرئة إذ لم يقصد لها، إنما قصد للإقسام والحلف، وإلى هذا القول ذهب الفراء وأصحابه. وفيه جواب آخر وهو أن أصله فعل ماض فحوّل عن طريق الفعل ومنع التصرف فلم يكن له مستقبل ولا دائم ولا مصدر، وجعل مع لا قسما، وتركت الميم على فتحها الذي كان لها في معنى المضى، وإن كان الحرف منقولا إلى الأداة، كما نقلوا حاشي وهو فعل ماض مستقبله يحاشي ودائمه محاش ومصدره محاشاة من باب الأفعال إلى باب الأدوات لمّا أزالوه عن التصرف، فقالوا: قام القوم حاشيا عبد الله فخفضوا به، ولو كان فعلا ما عمل خفضا وأبقوا عليه لفظ الفعل الماضي، وكما نقلوا ليس وأصلها الفعل الماضي عن أصلها إلى سبيل الأدوات لما أزالوها عن التصرف وخروج المصدر منها فأقرّوا أخرها على أمرها الأول. فإن قيل: كيف تكون لا جرم قسما وليس فيه معظّم يقسم به، قيل: إن الإقسام عند العرب على ضربين أحدهما يقع الإقسام فيه بمن يجلّ قدره وتعلو منزلته، وهو الذي تسبق إليه الأفهام، ويستعمل في أكثر الكلام حين يقول القائل: وإلهي لأفعلنّ ذلك، وكقيل العرب في الجاهلية: والرّحم لأقصدنّك، والعشيرة لأقضينّ حقك، وهو مكروه عند أهل العلم لأنه لا ينبغي أن يحلف حالف بغير الله تبارك وتعالى. والضرب الثاني أن يعتقد الحالف اليمين والحلف بالعظيم عندهم الكبير في نفسه، ثم يأتي ببدل منه، فيقول: حلفا صادقا لأزورنّك، فجعل حلفا صادقا مكتفى به عن المحلوف به عند وضوح المعنى، ولو أظهر اليمين ولم يبن على الاكتفاء والاختصار لقال: أحلف بالله حلفا صادقا، ولهذه العلة أقسموا بالحقّ، فقالوا: حقّا لأفعلن ذلك إذ جعلوه عوضا من اليمين، وحموا على الحق ألفاظا معناهم فيها كمعناه، فقالوا: كلّا لأطيعنّك، يعنون حقّا. وقالت الفصحاء: جير لأفعلنّ، وعوض لأجلسنّ، يعنون بتينك اللفظتين حقا، فاحتملت لا جرم من معنى الإقسام مثل الذي احتملت كلّا وجير وعوض. قال أعشى بكر: [الطويل]
رضيعي لبان ثدي أم تحالفا ... بأسحم داج عوض لا نتفرّق
وقال الآخر [1] : [الطويل]
وقلن على الفردوس أوّل مشرب ... أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره [2]
(1) هو المضرّ بن ربعي، راجع شواهد مغني اللبيب طبع مطبعة محمد أفندي مصطفى (ص 125) . ط
(2) أخرجه الخرائطي في «مكارم الأخلاق» (478) وابن عدي في «الكامل» (7/ 2595) وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (2/ 244) و «المجمع» (8/ 24) وأبو نعيم في «الحلية» (3/ 203) .