وكان لنا أصدقاء حماة ... وأعداء سوء فلم يخلدوا
تساقوا جميعا كئوس الحمام ... فمات الصّديق ومات العدو
قال: وحدثني أبو الحسن، قال: سمعت ميمون بن هارون يقول قال: حميد الطّوسي:
كنت حاضرا دهليز المأمون، فدعا بالناس لقبض أرزاقهم، فكان أول من دخل إسحاق الموصلي مع الوزراء، ثم دعا بالقواد فكان أول من دخل إسحاق الموصلي، ثم دعا بالقضاة فكان أول من دخل إسحاق، ثم دعا بالفقهاء والمعدّلين فكان أول من دخل هو، ثم دعا بالشعراء فكان أول من دخل هو، ثم دعا بالمغنّين فكان أول من دخل هو، ثم دعا بالرّماة في الهدف فكان أول من دخل هو، فعجبت من كثرة علمه وفنونه.
* * * [188] قال: وحدثنا أبو الحسن، قال: أنشدني خالد الكاتب لنفسه: [المتقارب]
كتبت إليك بماء الجفون ... وقلبي بماء الهوى مشرب
فكفّي تخطّ وقلبي يملّ ... وعيناي تمحو الذي أكتب
فليس يتم كتابي إليك ... لشوقي فمن هاهنا أعجب
[لقاء الأحبة بعد الدهر الطويل] :
قال أبو علي: حدثنا أبو بكر محمد بن مزيد أبي الأزهر، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني أبو غزيّة الأنصاري ثم أحد بني مازن بن النجار قال: حدثني مجمع بن يعقوب الأنصاري قال: أدركت حسّان بن الغدير شيخا كبيرا من أجمل الشيوخ وأحسنهم، فحدثني قال: سارت علينا سائرة من بني جشم بن بكر، فرأيت فيهم فتاة ما رأيت في نساء العرب مثلها حسنا، فكنت أخطبها، فلم يقدّر لي تزويجها، فضرب الدهر بيننا، فإني بعد ذلك بأربعين سنة لفي بلادي إذ أهلوها قد ساروا، وإذا بها عجوز تسأل عني، فلما دفعت إلي ورأت كبري قالت: أأنت ابن الغدير؟ فقلت: نعم، قالت: لقد أكل الدهر عليك وشرب! قال: فذلك قولي فيها وقد كبرت أيضا وتغيرت: [الكامل]
قالت أمامة يوم برقة واسط ... يا بن الغدير لقد جعلت تنكّر
أصبحت بعد شبابك الغضّ الذي ... ولّت شبيبته وغصنك أخضر
شيخا دعامتك العصا ومشيّعا ... لا تبتغي خبرا ولا تستخبر
فأجبتها أن من يعمّر يعترف ... ما تزعمين وينب عنه المنظر
ولقد رأيت شبيه ما عيّرتني ... يسري عليّ به الزمان ويبكر
وجعلت يغضبني اليسير وملّني ... أهلي وكنت مكرّما لا أكهر [1]
(1) لا أكهر: لا أنهر. ط