اللامع، السراج الزاهر، الساب الماطر، الذي نصر الدين، وأعزّ المسلمين، وأذل المشركين، وقمع الطّغاة، وأباد العصاة، وأطفأ نار النّفاق، وأهمد جمر الشقاق، وذلّل من الخلق من تجبّر، وسهّل من الأمر ما توعّر، ولمّ الشّعث، وأمّن السّبل، وحقن الدماء. أبقاه الله سالما في جسمه، معافى في بدنه، مسرورا بأيامه، مبتهجا بزمانه، وخصّه بطول المدة، وتتابع النعمة، وأبقى خلافته، وأدام عافيته، وتولّى حفظه، ولا أزال عنا ظلّه. وصحبت الحيا المحسب [1] ، والجواد المفضل، الذي إذا وعد وفّى، وإذا أوعد عفا، وإذا وهب أسنع [2] وإذا أعطى أقنع [3] ، «الحكم» فرأيته أيّده الله أجلّ الناس بعد أبيه خطرا، وأرفعهم قدرا، وأوسعهم كنفا، وأفضلهم سلفا، وأغزرهم علما، وأعظمهم حلما، يملك غضبه فلا يعجل، ويعطي على العلات فلا يمل، مع فهم ثاقب، ولبّ راجح، ولسان عضب، وقلب ندب، فتابعا لديّ النعمة، وواترا عليّ الإحسان، حتى أبديت ما كانت له كاتما، ونشرت ما كنت له طاويا، وبذلت ما كنت به ضنينا، ومذلت [4] بما كنت عليه شحيحا، فأمللت هذا الكتاب من حفظى في الأخمسة بقرطبة، وفي المسجد الجامع بالزهراء المباركة، وأودعته فنونا من الأخبار، وضروبا من الأشعار، وأنواعا من الأمثال، وغرائب من اللغات، على أني لم أذكر فيه بابا من اللغة إلا أشبعته، ولا ضربا من الشعر إلا اخترته، ولا فنّا من الخبر إلا انتخلته، ولا نوعا من المعاني والمثل إلا استجدته. ثم لم أخله من غريب القرآن وحديث الرسول صلّى الله عليه وسلم، على أنني أوردت فيه من الإبدال ما لم يورده أحد، وفسّرت فيه من الإتباع ما لم يفسره بشر ليكون الكتاب الذي استنبطه إحسان الخليفة جامعا، والديوان الذي ذكر فيه اسم الإمام كاملا.
وأسأل الله عصمة من الزيغ والأشر، وأعوذ به من العجب والبطر، وأستهديه السبيل الأرشد، والطريق الأقصد.
قال أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي: قرأ أبو عمرو بن العلاء: {مََا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهََا} [البقرة: 106] على معنى أو نؤخّرها. والعرب تقول: نسأ الله في أجلك، وأنسأ الله أجلك أي: أخّر الله أجلك.
[معنى النّساء في الأجل والرزق] :
وقال النبيّ [5] صلّى الله عليه وسلم: «من سرّه النّساء في الأجل والسّعة في الرزق فليصل رحمه»
(1) الحيا: الخصب والمطر. والمراد: الغيث المجزل.
(2) يعني: أجزل وأكثر.
(3) يعني: أرضى، والمراد أنه يعطي حتى يرضى الآخذ.
(4) مذلت نفسه بالشيء: سمحت به.
(5) أخرجه البخاري (2067) ، ومسلم (2557) ، وأبو داود (1693) ، والنسائي في «الكبرى» (11429) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه به.
وله شواهد عن أبي هريرة وغيره.