وحدثنا أبو بكر بن دريد، قال: حدثنا الأشنانداني، عن التوزي، عن أبي عبيدة، عن أبي عمرو بن العلاء قال: كان لرجل من مقاول حمير ابنان يقال لأحدهما: عمرو وللآخر:
ربيعة، وكانا قد برعا في الأدب والعلم، فلما بلغ الشيخ أقصى عمره وأشفى على الفناء، دعاهما ليبلو عقولهما، ويعرف مبلغ علمهما، فلما حضرا قال لعمرو وكان الأكبر:
أخبرني عن أحب الرجال إليك، وأكرمهم عليك، قال: السيّد الجواد، القليل الأنداد، الماجد الأجداد، الراسي الأوتاد، الرفيع العماد، العظيم الرماد، الكثير الحسّاد، الباسل الذّوّاد، الصادر الوراد. قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: ما أحسن ما وصف! وغيره أحب إليّ منه. قال:
ومن يكون بعد هذا؟ قال: السيد الكريم، المانع للحريم، المفضال الحليم، القمقام الزّعيم، الذي إن همّ فعل، وإن سئل بذل. قال: أخبرني يا عمرو بأبغض الرجال إليك، قال: البرم اللئيم، المستخذي للخصيم، المبطان النّهيم، العييّ البكيم، الذي إن سئل منع، وإن هدّد حضع، وإن طلب جشع. قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: غيره أبغض إليّ منه، قال: ومن هو؟
قال: النّئوم الكذوب، الفاحش الغضوب، الرّغيب عند الطعام، الجبان عند الصّدام. قال:
أخبرني يا عمرو أيّ: النساء أحب إليك؟ قال: الهركولة [1] اللّفّاء، الممكورة الجيداء، التي يشفي السقيم كلامها، ويبري الوصب إلمامها، التي إن أحسنت إليها شكرت، وإن أسأت إليها صبرت، وإن استعتبتها أعتبت، الفاترة الطّرف، الظّفلة الكف، العميمة الرّدف. قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: نعت فأحسن! وغيرها أحب إليّ منها، قال: ومن هي؟ قال الفتّانة العينين، الأسيلة الخدّين، الكاعب الثّديين، الرّداح الوركين، الشاكرة للقيل، المساعدة للحليل، الرخيمة الكلام، الجمّاء العظام، الكريمة الأخوال والأعمام، العذبة اللّثام. قال:
فأيّ النساء إليك أبغض يا عمرو؟ قال: القتّاتة الكذوب، الظاهرة العيوب، الطّوّافة الهبوب، العابسة القطوب، السّبّابة الوثوب، التي إن ائتمنها زوجها خانته، وإن لان لها أهانته، وإن أرضاها أغضبته، وإن أطاعها عصته. قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: بئس والله المرأة ذكر! وغيرها أبغض إليّ منها، قال: وأيتهن التي هي أبغض إليك من هذه؟ قال: السّليطة اللسان، المؤذية للجيران، الناطقة بالبهتان، التي وجهها عابس، وزوجها من خيرها آيس، التي إن عاتبها زوجها وترته، وإن ناطقها انتهرته. قال ربيعة: وغيرها أبغض إليّ منها، قال: ومن هي؟ قال: التي شقي صاحبها، وخزي خاطبها، وافتضح أقاربها. قال: ومن صاحبها؟ قال:
مثلها في خصالها كلّها، لا تصلح إلا له ولا يصلح إلا لها. قال: فصفه لي؟ قال: الكفور غير الشكور، اللئيم الفجور، العبوس الكالح، الحرون الجامح، الراضي بالهوان، المختال المنّان، الضعيف الجنان، الجعد البنان، القئول غير العقول، الملول غير الوصول، الذي لا يرع عن المحارم، ولا يرتدع عن المظالم. قال: أخبرني يا عمرو، أيّ الخيل أحب إليك عند
(1) الهركولة: الحسنة الجسم والخلق والمشية. ط