قال أبو بكر: أخبرني عمي، عن أبيه، عن ابن الكلبي، عن أبيه قال: قتل الشيظم بن الحارث الغسّاني رجلا من قومه، وكان المقتول ذا أسرة، فخافهم فلحق بالعراق أو قال بالحيرة متنكّرا، وكان من أهل بيت الملك، فكان يتكفّف الناس نهاره ويأوي إلى خربة من خراب الحيرة، فبينا هو ذات يوم في تطوافه إذ سمع قائلا يقول: [الطويل]
لحى الله صعلوكا إذا نال مذقة ... توسّد إحدى ساعديه فهوّما
مقيما بدار الهون غير مناكر ... إذا ضيم أغضى جفنه ثم برشما
يلوذ بأذراء المثاريب طامعا ... يرى المنع والتعبيس من حيث يمّما
يضنّ بنفس كدّر البؤس عيشها ... وجود بها لوصانها كان أحزما
فذاك الذي إن عاش عاش بذلّة ... وإن مات لم يشهد له الناس مأتما
بأرضك فاعرك جلد جنبك إنني ... رأيت غريب القوم لحما موضّما
فكأنه نبّهه من رقدة، فأقبل على صاحب خيل المنذر فأقام عنده أياما وقال له: إني رجل من أهل خيبر أقبلت إلى هذه البلدة بتجارة فأصبت بها، ولي بصر بسياسة الخيل فاصطنعني، فضمّه إلى بعض أصحابه حتى وافق غرّة من القوم، فركب فرسا جوادا من خيل المنذر وخرج من الحيرة يتعسّف الأرض حتى نزل بحيّ من بهراء فأخبرهم بشأنه، فأعطوه زادا ورمحا وسيفا وخرج حتى أتى الشأم فصادف الملك متبدّيا، وكان إذا تبدّى لا يحجب أحد عنه، فأتى قبّة الملك فقام قريبا منه وأنشد يقول: [الرجز]
يا صاحب الخيل الجياد المقربه ... وصاحب الكتيبة المكوكبه
والقبّة المنيعة المحجّبة ... وواهب المضمرة المربّبه
والكاعب البهكنة المؤتّبه ... والمائة المدفأة المنتخبه
والضّارب الكبش فويق الرّقبه ... تحت عجاج الكبّة المكتّبه
هذا مقام من رأى مطّلبه ... لديك إذ عمّى الضّلال مذهبه
وخال أنّ حتفه قد كربه
فأذن له الملك فدخل عليه وقصّ قصته، فقال له الملك: أنى لحلمك يا شيظم أن يثوب ولنوارك أن يثوب، ثم بعث إلى أولياء المقتول فأرضاهم عن صاحبهم.
قال أبو علي: وحدثني أبو بكر، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن عمه قال: قال أعرابي لابن عمه: اطلب لي امرأة بيضاء. مديدة فرعاء، جعدة تقوم فلا يصيب قميصها منها إلا مشاشتي منكبيها وحلمتي ثدييها ورانفتي أليتيها ورضافي ركبتيها، إذا استلقت فرميت تحتها بالأترجّة العظيمة نفذت من الجانب الأخر، فقال: وأنّي بمثل هذه إلّا في الجنان!.