لم أكن من جناتها علم الله ... وإني بحرّها اليوم صالي
قرّبا مربط النّعامة منّي ... إنّ بيع الكرام بالشّسع غالي
فأدلنا عليهم يومئذ، فلم نزل منهم ممتنعين إلى يومنا هذا. قال: فمن ذهب بذكر ذلك اليوم؟ قال: الحارث بن عباد أسر مهلهلا في ذلك اليوم وقال له: دلّني على مهلهل بن ربيعة، قال: مالي إن دللتك عليه؟ قال: أطلقك، قال: على الوفاء؟ [قال: نعم] [1] ، حدثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله قال: قال له: أنا مهلهل، قال: «ويحك! دلّني على كفء كريم، قال: امرؤ القيس، وأشار بيده إليه عن قرب، فأطلقه الحارث وانطلق إلى امرئ القيس فقتله.
وبكر كلها صبرت وأبلت فحسن بلاؤها إلا ما كان من ابن لجيم: حنيفة وعجل، ويشكر بن بكر، فإن سعد بن مالك بن ضبيعة جد طرفة بن العبد هجاهم في ذلك اليوم فقال: [السريع]
إنّ لجيما عجزت كلّها ... أن يرفدوني فارسا واحدا
ويشكر العام على خترها ... لم يسمع الناس لهم حامدا
وقال فيهم أيضا: [مجزوء الكامل]
يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا
إنا وإخوتنا غدا ... كثمود حجر يوم طاحوا
بالمشرفيّة لا نفر ... ولا نباح ولن نباحوا [2]
من صدّ عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح
فقال معاوية: أنت والله يا دغفل أعلم الناس قاطبة بأخبار العرب.
قال: وأخبرنا أبو حاتم، قال: أخبرنا أبو عبيدة قال: مات الأحنف بن قيس بالكوفة أيام خرج مع مصعب بن الزبير إلى قتال المختار، فنزل دار عبد الله بن أبي عصيفير الثقفي، فلما حملت جنازته ودلّي في قبره، جاءت امرأة من قومه من بني منقر عليها قبول من النساء، فوقفت على قبره فقالت: لله درك من مجنّ في جنن، ومدرج في كفن، إنا لله وإنا إليه راجعون، نسأل الله الذي فجعنا بموتك، وابتلانا بفقدك، أن يوسع لك في قبرك، وأن يغفر لك يوم حشرك، وأن يجعل سبيل الخير سبيلك، ودليل الرشاد دليلك، ثم أقبلت بوجهها على الناس فقالت: معشر الناس، إنّ أولياء الله في بلاده، شهود على عباده، وإنا قائلون حقا، ومثنون صدقا وهو أهل لحسن الثناء، وطيب الدعاء، أما والذي كنت من أجله في عدّة، ومن الضمان إلى غاية، ومن الحياة إلى نهاية، الذي رفع عملك عند انقضاء أجلك، لقد عشت حميدا مودودا، ولقد متّ فقيدا سعيدا، وإن كنت لعظيم السّلم، فاضل الحلم،
(1) إضافة يستقيم بها السياق. ط
(2) كذا في الأصل ولعل هنا تحريفا ووجه الكلام: ولا نباح كمن يباح. ط