أكثر العرب أمجادا، وأرفعهم عمادا، وأعظمهم رمادا، قال: فأيّ بني كنانة كان بعدهم أعز؟
قال: بنو مالك بن كنانة، كانوا يعلون من ساماهم، ويكفّون من ناواهم، ويصدقون من عاداهم، قال: فمن بعدهم؟ قال: بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، كانوا أعزّ بنيه وأمنعهم، وأجودهم وأنفعهم، قال: ثمّ من بعدهم؟ قال: بنو بكر بن عبد مناة، كان بأسهم مرهوبا، وعدوّهم منكوبا، وثأرهم مطلوبا، قال: فأخبرني عن مالك بن عبد مناة بن كنانة، وعن مرّة وعامر ابني عبد مناة، قال: كانوا أشرافا كراما، وليس للقوم أكفاء ولا نظراء. قال: فأخبرني عن بني أسد، قال: كانوا يطعمون السّديف، ويكرمون الضّيوف، ويضربون في الزّحوف، قال: فأخبرني عن هذيل، قال: كانوا قليلا أكياس، أهل منعة وباس، ينتصفون من الناس، قال: فأخبرني عن بني ضبّة، قال: كانوا جمرة من جمرات العرب الأربع، لا يصطلى بنارهم، ولا يفاتون بثارهم، قال: فأخبرني عن مزينة، قال: كانوا في الجاهلية أهل منعة، وفي الإسلام أهل دعة، قال: فأخبرني عن تميم، قال: كانوا أعز العرب قديما، وأكثرها عظيما، وأمنعها حريما، قال: فأخبرني عن قيس، قال: كانوا لا يفرحون إذا أديلوا [1] ، ولا يجزعون إذا ابتلوا، ولا يبخلون إذا سئلوا. قال: فأخبرني عن أشرافهم في الجاهلية، قال: غطفان بن سعد، وعامر بن صعصعة، وسليم بن منصور، فأما غطفان فكانوا كراما سادة، وللخميس قادة، وعن البيض ذادة، وأما بنو عامر فكثير سادتهم، مخشيّة سطوتهم، ظاهرة نجدتهم، وأما بنو سليم فكانوا يدركون الثار، ويمنعون الجار، ويعظمون النار، قال: فأخبرني عن قومك بكر بن وائل واصدقني، قال: كانوا أهل عز قاهر، وشرف ظاهر، ومجد فاخر، قال: فأخبرني عن إخوتهم تغلب، قال: كانوا أسودا ترهب، وسماما لا تقرب، وأبطالا لا تكذب، قال: فأخبرني كم أديلوا عليكم في قتلكم كليبا؟ قال: أربعين سنة، لا ننتصف منهم في موطن نلقاهم فيه حتى كان يوم التّحاليق: يوم الحارث بن عباد بعد قتلة ابنه بجير وكان أرسله في الصلح بين القوم فقتله مهلهل وقال: بؤ بشسع نعل كليب، فقال الغلام: إن رضيت بهذا بنو بكر رضيت، فبلغ الحارث، فقال: نعم القتيل قتيلا إن أصلح الله به بين بكر وتغلب وباء بكليب، فقيل له: إنما قال مهلهل ما قال الكلمة [2] ، فتشمّر الحارث للحرب وأمرنا بحلق رءوسنا أجمعين وهو يوم التّحاليق وله خبر طويل، وقال [الخفيف] :
قرّبا مربط النّعامة [3] منّي ... لقحت حرب وائل عن حيال [4]
(1) أدبلوا: نصروا على أعدائهم. ط
(2) هكذا في الأصل والكلمة هي قوله بوء بشسع نعل كليب كما تقدم. ط
(3) النعامة: فرس مشهورة للحارث بن عباد. ط
(4) قال الفرزدق يذكر ذلك في مدح ابنته:
أبوها الذي أدنى النعامة بعد ما ... أبت واثل في الحرب غير تماد
«الأغاني» (9/ 3463) .