بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا، غرّي غيري ألي تعرّضت. أم إليّ تشوّقت. هيهات هيهات! قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك حقير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق! فبكى معاوية رحمه الله وقال: رحم الله أبا الحسن، فلقد كان كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح واحدها في حجرها.
قال أبو علي: وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد هذه القصيدة في شعر كعب الغنوي، وأملاها علينا أبو الحسن على بن سليمان الأخفش وقال: قرئ لنا على أبي العباس محمد بن الحسن الأحول ومحمد بن يزيد وأحمد بن يحيى قال: وبعض الناس يروى هذه القصيدة لكعب بن سعد الغنوي، وبعضهم يرويها بأسرها لسهم الغنوي وهو من قومه وليس بأخيه، وبعضهم يروي شيئا منها لسهم، والمرثيّ بهذه القصيدة يكنى أبا المغوار واسمه هرم، وبعضهم يقول: اسمه شبيب، ويحتج ببيت روى في هذه القصيدة: [الطويل]
أقام فخلّى الظاعنين شبيب
وهذا البيت مصنوع، والأول كأنه أصح لأنه رواه ثقة. قال: وزادنا أحمد بن يحيى عن أبي العالية في أوّلها بيتين. قال: وهؤلاء كانوا يختلفون في تقديم الأبيات وتأخيرها وزيادة الأبيات ونقصانها وفي تغيير الحروف في متن البيت وعجزه وصدره.
[1280] قال أبو علي: وأنا ذاكر ما يحضرني من ذلك، والبيتان اللذان رواهما أبو العالية: [الطويل]
ألا من لقبر لا يزال تهجّه ... شمال ومسياف العشيّ جنوب
تهجّه: تهدمه، يقال، هجّ البيت وهجمه إذا هدمه. قال أبو عبيدة. ولما قتل بسطام بن قيس لم يبق في بكر بن وائل بيت إلا هجم أي: هدم إكبارا لقتله. ومسياف: مفعال من سافه يسيفه سيفا إذا ضربه بالسيف، يريد أنها في حدّتها في الصيف والشتاء كالسيف: [الطويل]
به هرم يا ويح نفسي من لنا ... إذا طرقت للنائبات خطوب
وأولها في رواية الجميع:
تقول سليمى ما لجسمك شاحبا ... كأنّك يحميك الطعام طبيب [1]
فقلت ولم أعي الجواب لقولها ... وللدّهر في صمّ السّلام نصيب
ويروى:
فقلت ولم أعي الجواب ولم ألح
(1) في كتاب «الأصمعيات من مجموع أشعار العرب» طبع مدينة ليبرج (ص 15) : إن هذه الأبيات مطلع قصيدة لعريقة بن مسافع العبسي. ط