وحدثنا أبو بكر بن الأنباري قال: حدثنا عمي، عن أبيه، عن ابن الكلبي، عن أبيه قال: نشأ لسلامة ذي فائش ابن كأكمل أبناء المقاول، وكان به مسرورا يرشّحه لموضعه، فركب ذات يوم فرسا صعبا فكبا به فوقصه، فجزع عليه أبوه جزعا شديدا وامتنع من الطعام واحتجب عن الناس، واجتمعت وفود العرب ببابه ليعزّوه، فلامه نصحاؤه في إفراط جزعه، فخرج إلى الناس فقام خطباؤهم يؤسّونه، وكان في القوم الملبّب بن عوف بن سلمة بن عمرو بن سلمة الجعفي، وجعادة بن أفلح بن الحارث. وهو جدّ الجراح بن عبد الله الحكمي صاحب خراسان. فقام الملبّب فقال: أيها الملك، إنّ الدنيا تجود لتسلب، وتعطي لتأخذ، وتجمع لتشتّت، وتحلي لتمر، وتزرع الأحزان في القلوب، بما تفجأ به من استرداد الموهوب، وكلّ مصيبة تخطّأتك جلل، مالم تدن الأجل، وتقطع الأمل، وإن حادثا ألمّ بك، فاستبدّ بأقلّك وصفح عن أكثرك لمن أجلّ النّعم عليك! وقد تناهت إليك أنباء من رزئ فصبر، وأصيب فاغتفر، إذ كان شوى فيما يرتقب ويحذر، فاستشعر اليأس مما فات إذ كان ارتجاعه ممتنعا، ومرامه مستصعبا، فلشيء ما ضربت الأسى، وفزع أول الألباب إلى حسن العزاء.
وقام جعادة فقال: أيها الملك، لا تشعر قلبك الجزع على ما فات، فيغفل ذهنك عن الاستعداد لما يأتي، وناضل عوارض الحزن بالأنفة عن مضاهاة أفعال أهل وهي العقول، فإن العزاء لحزماء الرجال، والجزع لربّات الحجال، ولو كان الجزع يردّ فائتا، أو يحيي تالفا، لكان فعلا دنيئا، فكيف به وهو مجانب لأخلاق ذوي الألباب! فارغب بنفسك أيها الملك عمّا يتهافت فيه الأرذلون، وصن قدرك عما يركبه المخسوسون، وكن على ثقة أنّ طمعك فيما استبدت به الأيام، ضلة كأحلام النيام.
[1160] قال أبو علي: المقاول والأقيال: دون الملوك العظماء. ووقصه: كسره.
ويؤسّونه: يعزّونه، وأصله أن يقال: لك أسوة بفلان وفلان. والجلل: الصغير، والجلل:
الكبير، وهو من الأضداد. والبدّة: النصيب. واستبدّ به أي: جعله نصيبه. والشّوى: الهيّن اليسير، والشوى أيضا: رذال المال. والمناضلة: المراماة. والمضاهاة: المشاكلة.
والتّهافت: التتابع.
* * * [1161] وقرأنا على أبي بكر بن دريد: [الرجز]
حبسن بين رملة وقفّ [1] ... وبين نخل هجر الملتفّ
ثمّت أصدرن بغير كفّ
هذه إبل خرجت للميرة فرجعت بغير كفّ من طعام.
وحدثنا أبو بكر بن الأنباري قال: حدثني أبي قال: حدثنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا الزنادي قال: يقال: إن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تكلم بهذا الكلام في خطبته: ما الجزع مما لا بدّ منه، وما الطّمع فيما لا يرجى، وما الحيلة فيما سيزول! وإنّما الشيء من أصله، فقد مضت قبلنا أصول نحن فروعها، فما بقاء فرع بعد أصله! إنّما الناس في الدنيا أغراض تنتضل فيهم المنايا، وهم فيها نهب للمصائب، مع كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص، لا ينالون نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يعمّر معمّر يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله، وأنتم أعوان الحتوف على أنفسكم، فأين المهرب مما هو كائن! وإنما نتقلّب في قدرة الطالب، فما أصغر المصيبة اليوم مع عظيم الفائدة غدا، وأكبر خيبة الخائب فيه! والسلام.
[لا رأي لحاقن] :
وحدثنا أبو بكر بن الأنباري، قال: حدثنا محمد بن علي المديني، قال: حدثنا أبو الفضل الرّبعي الهاشمي، قال: حدثني نهشل بن دارم، عن أبيه، عن جده، عن الحارث الأعور قال: سئل علي بن أبي طالب رضوان الله عليه عن مسألة فدخل مبادرا، ثم خرج
(1) القف: ما ارتفع من الأرض وغلظ ولم يبلغ أن يكون جبلا. ط