فهرس الكتاب

الصفحة 734 من 971

[الخليل بن أحمد والمرأة الفصحة وبناتها]:

قال: وأخبرنا الأشنانداني عن التوزي قال: كان اللخليل بن أحمد صديق يكنى أبا المعلّى مولى لبني يشكر، وكان أصلع شديد الصّلع، فبينا هو والخليل جالسان عند قصر أوس إذ مرت بهما امرأة يقال لها أم عثمان من ولد المعارك بن عثمان ومعها بنات لها، فقال أبو المعلى للخليل: يا أبا عبد الرحمن، ألا نكلّم هذه المرأة! قال: ويحك! لا تفعل، فإنهن أعدّ شيء جوابا، والقول إلى مثلك يسرع، فجلس يتروّحن فقال لأمهنّ: يا أمة الله، ألك زوج؟ قالت: لا والله ولا لواحدة منا، قال: فهل لكنّ في أزواج؟ قالت: وددنا والله، قال:

فأنا أتزوجك ويتزوج هذا إحدى بناتك، فقالت له: أمّا أنت فقد ابتلاك الله ببلاءين: أما أحدهما فإنه قد قرع رأسك بمسحاة، وجعل لك عقصة في قفاك بيضاء، فكأنما صارت في قفاك نخامة، فبلغ من نوكك أنك خضبتها بحمرة، فلو كنت إذ ابتليت خضبت بسواد فغطّيت عوارك هذا الذي أباده منك! ثم قالت له: أظنك من رهط الأعشى، فقال لها أبو المعلى: أنا مولى لبني يشكر. قالت: أفتروى بيت الأعشى: [البسيط]

وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشّيب والصّلعا

فما بقي بعد هذا إلا الموت هزالا، ثم التفتت إلى الخليل فقالت: من أنت يا عبد الله؟

فقال: أنا الخليل بن أحمد، كفّي رحمك الله! فقد والله نهيته عن كلامك وحذّرته هذا! قالت: أما إنك قد نصحت له، أما علم هذا الأحمق أن النساء يخترن من الرجال المسحلانيّ المنظرانيّ المخبراني، الغليظ القصرة، العظيم الكمرة، الذي إذا طعن فأصاب حفر، وإذا أخطأ قشر، وإذا أخرجه عقر، قال: فضحك الخليل، ثم قامت المرأة ومعها بناتها يتهادين، فتمثّل أبو المعلى بقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي [مجزوء الخفيف] :

فتهادين وانصرف ... ن ثقال الحقائب

فقالت: يا أحمق، أما تدري ما قال الشاعر في قومك؟ قال: لا، فقالت: قال:

[المتقارب]

ويشكر لا تستطيع الوفاء ... وتعجز يشكر أن تغدرا

وإني أقسم بالله لو كان لكل واحدة منا من الأحراح بعدد ما أهدى مالك العكلي إلى عمرة بنت الحارث النّميري، ما أعطيناك ولا صاحبك منها شيئا، فقال الخليل: نشدتك بالله، كم كانت الهدية التي أهداها العكلي إلى النميرية؟ قالت له: أراك حاذقا بالتجميش قليل الرواية للشّعر، ثم أنشدته قول العكليّ: [الرجز]

هديّتي أخت بني نمير ... لحرك يا عمرة ألف عير

في كل عير ألف كرّأير

قال: فقال الخليل: أما إنه قد قصّر! أفلا جعل لاستها بعض الهدية ولم يدعها فارغة!

قالت: قد أشفق على هديته أن تحترق، ألم ترو بيت جرير حيث يقول: [الوافر]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت