والمعنى: أن الناس إذا فوجئوا بالغارة طردوا إبلهم وقاموا هم يقاتلون، فإن انهزموا كانوا قد نجوا بها، يقول: فهؤلاء من عزّهم ومنعتهم لا يطردونها، ولكن يكون أقصى طردهم أن ينيخوها في مبركها ثم يقاتلوا عنها. والمعاوز: الثياب الخلقان.
وحدثنا أبو بكر بن دريد، قال: حدثنا السكن بن سعيد، عن محمد بن عبّاد، عن العباس بن هشام، عن أبيه قال: كان حضرميّ بن عامر عاشر عشرة من إخوته فماتوا فورثهم، فقال ابن عمّ له يقال له جزء: من مثلك، مات إخوتك فورثتهم فأصبحت ناعما جذلا! فقال حضرمي: [المنسرح]
يزعم جزء ولم يقل سددا ... أنّي تروّحت ناعما جذلا
إن كنت أزننتني بها كذبا ... جزء فلاقيت مثلها عجلا
أفرح أن أرزأ الكرام وأن ... أورث ذودا شصائصا نبلا
كم كان في إخوتي إذا احتضن ال ... أقوام تحت العجاجة [1] الأسلا [2]
من واجد ماجد أخي ثقة ... يعطي جزيلا ويضرب البطلا
إن جئته خائفا أمنت وإن ... قال سأحبوك نائلا فعلا
فجلس جزء على شفير بئر وكان له تسعة إخوة فانخسفت بإخوته ونجا هو، فبلغ ذلك حضرميّا فقال: إنّا لله وإنا إليه راجعون، كلمة وافقت قدرا وأبقت حقدا.
[186] قال أبو علي: الشّصائص: التي لا ألبان لها واحدتها: شصوص، قال الأصمعي: يقال: أشصّت فهي شصوص وهو على غير القياس، وقال الكسائي: شصّت.
والنّبل: الصّغار هاهنا، والنّبل: الكبار، وهو من الأضداد. والوجد: الغنيّ الذي يجد.
[شعر في ذي الوجهين] :
وأنشدنا أبو بكر، قال: أنشدنا أبو حاتم، عن الأصمعي ليزيد بن الحكم الثقفي: [الطويل] تكاشرني كرها كأنّك ناصح ... وعينك تبدي أنّ صدرك لي دوي
لسانك ماذيّ وغيبك علقم ... وشرّك مبسوط وخيرك منطوي
فليت كفافا كان خيرك كلّه ... وشرّك عنّي ما ارتوى الماء مرتوي
عدوّك [3] يخشى صولتي إن لقيته ... وأنت عدوّي ليس ذاك بمستوي
تصافح من لاقيت لي ذا عداوة ... صفاحا وغيّي بين عينيك منزوي
(1) العجاجة: الغبار. ط
(2) الأسل: الرماح. ط
(3) روى هذا البيت في «حماسة البحتري» هكذا:
تود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك ليس الفعل منك بمستوي ط