وكنا عقدنا عقدة الوصل بيننا ... فلما تواثقنا شددت وحلّت
فواعجبا للقلب كيف اعترافه ... وللنفس لمّا وطّئت كيف ذلّت
وللعين أسراب إذا ما ذكرتها ... وللقلب وسواس ذا العين ملّت
وإنّي وتهيامي بعزّة بعد ما ... تخلّيت مما بيننا وتخلّت
لكالمرتجي ظلّ الغمامة كلّما ... تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت
فإن سأل الواشون: فيم هجرتها ... فقل: نفس حرّ سلّيت فتسلّت
* * * [183] وحدثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن عمه قال:
بينا أنا بحمى ضريّة إذ وقف علي غلام من بني أسد في أطمار ما ظننته يجمع بين كلمتين، فقلت: ما اسمك؟ فقال: حريقيص، فقلت، أما كفى أهلك أن يسمّوك حرقوصا [1] حتى حقّروا اسمك! فقال: إنّ السّقط ليحرق الحرجة، فعجبت من جوابه، فقلت: أتنشد شيئا من أشعار قومك؟ قال: نعم أنشدك لمرّارنا، قلت: افعل، فقال: [الكامل]
سكنوا شبيثا والأحصّ [2] وأصبحوا ... نزلت منازلهم بنو ذبيان
وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا ... حتّى تقيم الخيل سوق طعان
وإذا فلان مات عن أكرومة ... رقعوا معاوز فقره بفلان
قال: فكادت الأرض تسوخ بي لحسن إنشاده وجودة الشعر، فأنشدت الرشيد هذه الأبيات، فقال: وددت يا أصمعي أن لو رأيت هذا الغلام فكنت أبلّغه أعلى المراتب.
[184] قال أبو علي: السّقط: ما يسقط من الزّند إذا قدح. وقال أبو عبيدة: في سقط النار وسقط الولد وسقط الرّمل ثلاث لغات: الضمّ والفتح والكسر، وزناد العرب من خشب، وأكثر ما يكون من المرخ والعفار ولذلك قال الأعشى: [المتقارب]
زنادك خير زناد الملو ... ك صادف منهنّ مرخ عفارا
وإنما يؤخذ عود قدر شبر فيثقب في وسطه ثقب لا ينفذ، ويؤخذ عود آخر قدر ذراع فيحدّد طرفه فيجعل ذلك المحدّد في ذلك الثّقب، وقد وضعه رجل بين رجليه فيديره ويفتله فيوري نارا، فالأعلى زند. والأسفل زندة. والحرجة: الشجر الكثير الملتفّ وجمعه: حراج وأحراج، قال العجّاج: [الرجز]
عاين حيّا كالحراج نعمه ... يكون أقصى شلّه محرنجمه
يقول: عاين هذا الجيش الذي أتانا حيّا، ويعني بالحيّ: قومه بني سعد. والنّعم:
الإبل. وأقصى: أبعد. وشلّه: طرده. ومحرنجمه: مبركه حيث يجتمع بعضه إلى بعض.
(1) الحرقوص: اسم دويبة كالبرغوث. أو كالقراد. ط
(2) شبيث والأحص: اسما موضعين بنجد. ط