فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 971

كلا يومي طوالة وصل أروى ... ظنون آن مطّرح الظّنون

طوالة: اسم بئر كان لقيها عليها مرّتين فلم ير ما يحبّ، والمعنى في كلا يومي طوالة وصل أروى ظنون، والظّنون: الذي لا يوثق به كالبئر الظّنون وهي القليلة الماء التي لا تثق بمائها، ثم أقبل على نفسه فقال: قد حان أن أترك الوصل الظّنون وأطّرحه، ثم قال:

وما أروى وإن كرمت علينا ... بأدنى من موقّفة حرون

الموقّفة: الأرويّة التي في قوائمها خطوط كأنها الخلاخل، والوقف: الخلخال من الذّبل [1] ، والتّوقيف البياض مع السواد، فأراد. أنّ في قوائمها خطوطا تخالف لونها.

والحرون: التي تحرن في أعلى الجبل فلا تبرح. يقول: فهذه المرأة ليست بأقرب من هذه الأروية التي لا يقدر عليها، ثم قال:

تطيف بها الرّماة وتتّقيهم ... بأوعان معطّفة القرون

يقول: تطيف بهذه الأرويّة الرّماة فلا تبرح لأنها في أعلى الجبل، ودونها أوعال فلا تصل إليها نبل الرماة لأنهم يرمون تلك لأنها أقرب إليهم، فكأنها تقي نفسها بها، وإنما يؤكّد بهذا بعدها وأنها لا يقدر عليها.

[وصف المحب، وتجشّمه للصعاب من أجل محبوبه]:

وحدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو حاتم، عن الأصمعي، قال: كان بشر بن مروان شديدا على العصاة فكان إذا ظفر بالعاصي أقامه على كرسيّ وسمر كفّيه في الحائط بمسمار ونزع الكرسيّ من تحته فيضطرب معلقا حتى يموت، وكان فتى من بني عجل مع المهلّب وهو يحارب الأزارقة وكان عاشقا لابنة عم له، فكتبت إليه تستزيره، فكتب إليها: [البسيط]

لولا مخافة بشر أو عقوبته ... أو أن يشدّ على كفّيّ مسمار

إذا لعطّلت ثغري ثم زرتكم ... إن المحبّ إذا ما اشتاق زوّار

فكتبت إليه:

ليس المحبّ الذي يخشى العقاب ولو ... كانت عقوبته في إلفه النار

بل المحب الذي لا شيء يمنعه ... أو تستقرّ ومن يهوى به الدار

قال: فلما قرأ كتابها عطّل ثغره وانصرف إليها وهو يقول:

أستغفر الله إذ خفت الأمير ولم ... أخش الذي أنا منه غير منتصر

فشأن بشر بلحمي فليعذّبه ... أو يعف عفو أمير خير مقتدر

فما أبالي إذا أمسيت راضية ... يا هند ما نيل من شعري ومن بشري

ثم قدم البصرة فما أقام إلا يومين حتى وشى به واش إلى بشر، فقال: عليّ به، فأتي به فقال: يا فاسق، عطّلت ثغرك! هلمّوا الكرسيّ، فقال: أعز الله الأمير، إن لي عذرا، فقال:

وما عذرك؟ فأنشده الأبيات، فرقّ له وكتب إلى المهلّب فأثبته في أصحابه.

(1) الذبل: عظام ظهر دابة بحرية تتخذ منها الأساور والأمشاط. ط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت