قال أبو علي: قال أبو بكر بن أبي الأزهر: حدثني البصري المسمعي قال: حدثني عبد
الملك بن مروان التيمي تيم بكر، قال: حدثنا محمد بن الفضل الأنصاري، عن سلمة بن ثابت، عن هشام بن حسان قال: قلت للحسن البصري: يزعم الناس أنك تبغض عليّا، قال: أنا أبغض عليّا! كان سهما صائبا من مرامي الله عز وجل، ربّانيّ هذه الأمة، وذا فضلها وشرفها، وذا قرابة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج فاطمة الزّهراء، وأبا الحسن والحسين، لم يكن بالسّروقة لمال الله، ولا بالنّئومة في أمر الله، ولا بالملولة لحقّ الله، أعطى القرآن عزائمه، وعلم ماله فيه وما عليه حتى قبضه الله إليه، ففاز برياض مونقة، وأعلام مشرقة، أتدري من ذاك؟ ذاك علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
[48] قال أبو علي: حدثنا أبو بكر بن دريد، قال: حدثنا أبو حاتم، عن الأصمعي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول. ولم يقله إن شاء الله بغيا ولا تطاولا.: ما رأيت أحدا قبلي أعلم منّي. قال الأصمعي: وأنا لم أر بعد أبي عمرو أعلم منّي. قال أبو حاتم: وكان كثيرا ما يقول لي: يا بني، إن طفئت شحمة عيني هذه، ويومئ إلي عينه، لم تر مثلي، وربما قال: لم تر أحدا يشفيك من هذا الحرف أو هذا البيت.
قال أبو علي: حدثنا أبو بكر بن دريد، قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن عمه قال: قال عمي سمعت يونس بن حبيب، يقول: كان المنذر بن ماء السماء جدّ النعمان بن المنذر ينادمه رجلان من العرب، خالد بن المضلّل، وعمرو بن مسعود الأسديّان، وهما اللذان عناهما الشاعر بقوله: [الطويل]
ألا بكر الناعي بخيري بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسّيّد الصّمد
فشرب ليلة معهما فراجعاه الكلام فأغضباه، فأمر بهما فقتلا وجعلا في تابوتين، ودفنا بظاهر الكوفة. فلما أصبح وصحا سأل عنهما فأخبر بذلك، فندم وركب حتى وقف عليهما، فأمر ببنيان الغريّين [1] ، وجعل لنفسه في كل سنة يومين: يوم بؤس ويوم نعيم، فكان يضع سريره بينهما، فإذا كان في يوم نعيمه فأوّل من يطلع عليه وهو على سريره يعطيه مائة من إبل الملوك، وأول من يطلع عليه في ثوم بؤسه يعطيه رأس ظربان، ويأمر به فيذبح ويغرّى بدمه الغريّان، فلم يزل كذلك ما شاء الله، فبينا هو ذات يوم من أيام بؤسه إذ طلع عليه عبيد بن الأبرص، فقال له الملك: ألا كان الذّبح غيرك يا عبيد! فقال عبيد: «أتتك بحائن رجلاه» فقال له الملك: أو أجل قد بلغ إناه؟ ثم قال: يا عبيد، أنشدني فقد كان يعجبني شعرك، فقال:
«حال الجريض دون القريض» و «بلغ الحزام الطبيين» فقال أنشدني: [مخلع البسيط]
أقفر من أهله ملحوب ... فالقطّبيّات فالذّنوب
(1) الغريان: بناءان مشهوران بالكوفة ويقال هما قبر مالك وعقيل نديمي جذيمة الأبرش وسميا كذلك لأن المنذر كان يغري بهما من يقتله في يوم بؤسه. ط