رفعنا الخموش عن وجوه نسائنا ... إلى نسوة منهم فأبدين مجلدا
[353] قال أبو العباس: الخموش: الخدوش، وهذا رجل قتل من قومه قتلى، فكان نساؤهم يخمشن وجوههن عليهم، فأصابوا بعد ذلك منهم قتلى، فصار نساء الآخرين يخمشن
وجوههن عليهم. يقول: لما قتلنا منهم قتلى بعد القتلى الذين كانوا قتلوا منا، حوّلنا الخموش عن وجوه نسائنا إلى وجوه نسائهم. قال: وهذا مثل قول عمرو بن معديكرب: [الكامل]
عجّت نساء بني زبيد عجّة ... كعجيج نسوتنا غداة الأرنب
[354] قال أبو العباس: العجّة: الصوت. والأرنب: موضع [1] . والمجلد: جلدة تمسكها النائحة بيدها، وربما أشارت بها إلى وجهها كأنها تّلطمه بها، وأنشد: [الطويل]
خرجن حريرات وأبدين مجلدا ... ودارت عليهن المقرّمة الصّفر [2]
[355] قال أبو العباس: حريرات: حارّات الأجواف من الحزن. وقوله: دارت عليهن المقرّمة الصّفر يقول: سبين فأجيلت عليهنّ القداح ليؤخذن أسهما. قال ويروى:
المكتّبة الصفر، يعني: السهام التي عليها أسماء أصحابها مكتوبة، ولم يفسر أبو العباس مقرّمة ولا أبو بكر.
[356] قال أبو علي: وأنا أقول مقرّمة: معضّضة وذلك أن الرجل كان يعلم قدحه بالعضّ.
وحدثنا أبو بكر قال: حدثنا السكن بن سعيد، عن محمد بن عباد، عن هشام بن محمد، عن أبي مخنف، عن أشياخ من علماء قضاعة قالوا: كان ثلاثة أبطن من قضاعة مجتورين بين الشّحر وحضرموت: بنو ناعب، وبنو داهن، وبنو رئام، وكانت بنو رئام أقلّهم عددا وأشجعهم لقاء، وكانت لبني رئام عجوز تسمّى خويلة، وكانت لها أمة من مولّدات العرب تسمى زبراء، وكان يدخل على خويلة أربعون رجلا كلهم لها محرم، بنو إخوة وبنو أخوات، وكانت خويلة عقيما، وكان بنو ناعب وبنو داهن متظاهرين على بني رئام، فاجتمع بنو رئام ذات يوم في عرس لهم وهم سبعون رجلا كلهم شجاع بئيس، فطعموا وأقبلوا على شرابهم، وكانت زبراء كاهنة، فقالت لخويلة: انطلقي بنا إلى قومك أنذرهم، فأقبلت خويلة تتوكأ على زبراء، فلما أبصرها القوم قاموا إجلالا لها، فقالت: يا ثمر الأكباد، وأنداد الأولاد، وشجا الحسّاد، هذه زبراء، تخبركم عن أنباء، قبل انحسار الظلماء، بالمؤيد الشّنعاء، فاسمعوا ما تقول. قالوا: وما تقولين يا زبراء؟ قالت: واللّوح الخافق، والليل الغاسق، والصباح الشارق، والنجم الطارق، والمزن الوادق، إنّ شجر الوادي ليأدو ختلا، ويحرق أنيابا عصلا، وإن صخر الطّود لينذر ثكلا، لا تجدون عنه معلا، فوافقت قوما أشارى سكارى، فقالوا: ريح خجوج، بعيدة ما بين الفروج، أتت زبراء بالأبلق النّتوج، فقالت زبراء: مهلا يا بني الأعزة. والله إني لأشمّ ذفر الرجال تحت الحديد. فقال لها فتى منهم يقال له هذيل بن منقذ: يا خذاق، والله ما تشمّين إلا دفر إبطيك، فانصرفت عنهم وارتاب قوم من ذوي أسنانهم، فانصرف منهم أربعون رجلا وبقي ثلاثون فرقدوا في مشربهم،
(1) انظر: «التنبيه» [32] .
(2) البيت للفرزدق: كما في «اللسان» مادة: «حرر» .