البلدان غير واحدة، فأحببت أن يبقى لي منكم في كل بلد ذكر، فقالوا فيه شعرا يمتدحونه ويذكرون فضله، فقال لهم حاتم: إنما أردت أن أحسن إليكم فصار لكم عليّ الفضل، وعليّ أن أضرب عراقيب إبلي أو تقوموا إليها فتقتسموها، علوا فأصاب الرجل منهم تسعة وثلاثين بعيرا، ومضوا على سفرهم إلى النعمان، وسمع أبوه بما فعل فأتاه، فقال: أين الإبل؟ فقال:
يا أبت، طوّقتك طوق الحمامة مجد الدهر وكرما، لا يزال رجل يحمل لنا بيت شعر أبدا بإبلك، فقال أبوه: أبإبلي؟ قال: نعم، قال: والله لا أسكن معك أبدا، فخرج أبوه بأهله وترك حاتما، فقال في ذلك حاتم يذكر تحوّل أبيه عنه: [الطويل]
وإنّي لعفّ الفقر مشترك الغنى ... وتارك شكل لا يوافقه شكلي
وشكلي شكل لا يقوم بمثله ... من الناس إلّا كلّ ذي ثقة مثلي
من جملة أبيات.
ولما تزوّج حاتم ماويّة وكانت من أحسن النساء لبثت عنده زمانا. ثم إن ابن عم لحاتم يقال له مالك قال لماويّة: ما تصنعين بحاتم؟ فو الله لئن وجد ليتلفنّ، ولئن لم يجد ليتكلّفنّ، ولئن مات ليتركنّ ولدك عيالا على قومه. فقالت: صدقت، إنّه لكذلك. وكانت النساء أو بعضهنّ يطلّقن الرجال في الجاهلية، وكان طلاقهنّ أنهنّ يحوّلن أبواب بيوتهن، إن كان الباب إلى المشرق جعلنه إلى المغرب، وإن كان الباب قبل اليمن جعلنه قبل الشأم، فإذا رأى الرجل ذلك عرف أن امرأته طلقته، وقال ابن عمه لها: فأنا أنصحك وأنا خير لك منه وأكثر مالا وأنا أمسك عليك وعلى ولدك، فلم يزل بها حتى طلّقت حاتما، فأتاها وقد حوّلت الخباء، فقال لابنه: ما ترى أمك ما عدا عليها؟ فقال: لا أدري، فهبط به بطن واد. وجاء قوم فنزلوا على باب الخباء كما كانوا ينزلون فتوافى خمسون رجلا فضاقت بهم ماويّة ذرعا، فقالت لجاريتها:
اذهبي إلى مالك فقولي: إن أضيافا لحاتم نزلوا بنا وهم خمسون رجلا، فأرسل إلينا بناب ننحرها لهم وبوطب لبن نسقيهم، وقالت لجاريتها: انظري إلى جبينه وفمه، فإن سابقك بالمعروف فاقبلي منه، وإن ضرب بلحييه على زوره وأدخل يده في رأسه فارجعي ودعيه، فلما أتته وجدته متوسّدا وطبا من لبن، فأيقظته وأبلغته الرسالة وقالت: إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكانه، فضرب لحيته على زوره وأدخل يده في رأسه وقال لها: اقرئي عليها السلام وقولي لها: هذا الذي نهيتك عنه وأمرتك أن تطلّقي حاتما من أجله، فما عندي من كبيرة قد تركت العمل، وما كنت لأنحر صغيرة لشحم كلاها، وما عندي من لبن يكفي أضياف حاتم، فرجعت الجارية وأعلمتها بمقالته، فقالت لها: ويلك! ائتي حاتما فقولي له:
إن أضايفك نزلوا بنا الليلة، فأرسل إلينا بناب ننحرها لهم ولبن نسقيهم، فقال حاتم: نعم، وأبي وأنياب، وقام إلى الإبل فأطلق عقلها، وصاح بها حتى أتى الخباء وضرب عراقيبها، فطفقت ماويّة تصيح: هذا الذي طلقتك فيه تترك ولدك ليس لهم شيء.