قال: هات ما معك، فقرأت عليه ما كتبت في ألواحي، فمرت به ستة أحرف لم يعرفها، فخرج يعدو في الدّرجة وقال: شمّرت في الغريب أي: غلبتني.
[29] قال أبو علي: وحدثنا أبو بكر رحمه الله قال: أخبرنا عبد الرحمن، قال: قال عمي: سمعت بيتين أحفل بهما. قلت: هما على كل حال خير من موضعهما من الكتاب قال: فإني عند الرشيد يوما وعنده عيسى بن جعفر، فأقبل على مسرور الكبير، فقال له: يا مسرور، كم في بيت مال السرور؟ فقال: ما فيه شيء، فقال عيسى: هذا بيت الحزن، فاغتمّ لذلك الرشيد وأقبل على عيسى، فقال: والله لتعطينّ الأصمعيّ سلفا على بيت مال السرور ألف دينار، فاغتمّ عيسى وانكسر. فقلت في نفسي: جاء موضع البيتين: فأنشدت الرشيد رحمه الله تعالى: [الطويل]
إذا شئت أن تلقى أخاك معبّسا ... وجدّاه في الماضين كعب وحاتم
فكشّفه عما في يديه فإنما ... تكشّف أخبار الرجال الدراهم
قال: فتجلّى عن الرشيد، وقال لمسرور: أعطه على بيت مال السرور ألفي دينار، فأخذت بالبيتين ألفي دينار وما كان البيتان يساويان عندي درهمين.
[30] وأنشد أبو بكر لمحمد بن صالح: [الكامل]
طرب الفؤاد وعاده أحزانه ... وتشعّبت شعبا به أجشانه
وبدا له من بعد ما اندمل الهوى ... برق تتابع موهنا لمعانه
يبدو كحاشية الرداء ودونه ... صعب الذّرى متمنّع أركانه
فدنا لينظر أين لاح فلم يطق ... نظرا إليه وردّه سجّانه
فالوجد [1] ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سمحت [2] به أجفانه
ثم استعاذ من القبيح وردّه ... نحو العزاء عن الصّبا إيقانه
وبدا له أن الذي قد ناله ... ما كان قدّره له ديّانه
حتى اطمأنّ ضميره وكأنما ... هتك العلائق عامل وسنانه
يا نفس لا يذهب بقلبك باخل ... بالودّ باذل تافه منّانه
يعد القضاء وليس ينجز موعدا ... ويكون قبل قضائه ليّانه
فاقنع بما قسم المليك فأمره ... مالا يردّ عن الفتى إتيانه
قال أبو علي: حدثنا أبو بكر، عن الأصمعي قال: كان الحرون من خيل العرب.
حدثني رجل من أهل الشام قال: كان مع مسلم بالرّيّ، ثم جاء فشهد معه وقعة إبراهيم،
(1) المحفوظ «فالنار» ، ولعلهما روايتان. ط
(2) كذا بالأصل والمحفوظ: سحت بغير ميم من السح وهو الأنصباب. ط