ثم أما بعد حمد الله والثناء عليه، والصلاة على خير البشر صلّى الله عليه وسلم، فإني لمّا رأيت العلم أنفس بضاعة، أيقنت أن طلبه أفضل تجارة، فاغتربت للرواية، ولزمت العلماء للدراية. ثم أعملت نفسي في جمعه، وشغلت ذهني بحفظه، حتى حويت خطيره، وأحرزت رفيعه، ورويت جليله، وعرفت دقيقه، وعقلت شارده، ورويت نادره، وعلمت غامضه، ووعيت واضحه. ثم صنته بالكتمان عمن لا يعرف مقداره، ونزّهته عن الإذاعة عند من يجهل مكانه، وجعلت غرضي أن أودعه من يستحقه، وأبديه لمن يعلم فضله، وأجلبه إلى من يعرف محلّه، وأنشره عند من يشرّفه، وأقصد به من يعظّمه، إذ بائع الجوهر وهو حجر يصونه بأجود
صوان [1] ويودعه أفضل مكان، ويقصد به من يجزل ثمنه، ويحمله إلى من يعرف قدره، على أنه لا يستحق بسببه أن يوصف بالفضل بائعه ولا مشتريه، ولا يستوجب أن يحمد من أجل المبالغة في ثمنه مقتنيه، والعلم يذكر بالرّجاحة طالبه، وينعت بالنباهة صاحبه، ويستحقّ الحمد عند كل العقلاء حاويه، ويستوجب الثناء من جميع الفضلاء واعيه، ويفيد [2] أسنى الشرف مشرّفه، ويكتسب أبقى الفخر معظّمه، فغبرت برهة ألتمس لنشره موضعا، ومكثت دهرا أطلب لإذاعته مكانا وبقيت مدّة أبتغي له مشرّفا، وأقمت زمنا أرتاد له مشتريا، حتى تواترت الأنباء المتّفقة، وتتابعت الصفات الملتئمة، التي لا تخالجها الشّكوك، ولا تمازجها الظنون، بأن مشرفه في عصره أفضل من ملك الورى، وأكرم من جاد باللهي، وأجود من تعمّم وارتدى، وأمجد من ركب ومشى، وأسود من أمر ونهى، سمام العدى، فيّاض الندى، ماضي العزيمة، مهذّب الخليقة، محكم الرّأي، صادق الوأي [3] ، بذّال الأموال، محقّق الآمال، مفشي المواهب، معطي الرغائب، أمير المؤمنين، وحافظ المسلمين، وقامع المشركين، ودامغ المارقين، وابن عمّ خاتم النبيين، محمد صلّى الله عليه وسلم «عبد الرحمن بن محمد» محيي المكارم، ومبتني المفاخر، الذي إذا رضي أغنى، وإذا غضب أردى، وإذا دعي أجاب، وإذا استصرخ أغاث. وأنّ معظّمه ومشتريه، وجامعه ومقتنيه، ربيع العفاة، وسمّ العداة، ذو الفضل والتمام، والعقل والكمال، والمعطي قبل السؤال، والمنيل قبل أن يستنال «الحكم» ولي عهد المسلمين، وابن سيد العالمين، أمير المؤمنين «عبد الرحمن بن محمد» الإمام العادل، والخليفة الفاضل، الذي لم ير فيما مضى من الأمراء شبهه، ولا نشأ في الأزمنة من الكرماء مثله، ولا ولد النساء من الأجواد نظيره، ولا ملّك العباد من الفضلاء عديله، فخرجت جائدا بنفسي، باذلا لحشاشتي، أجوب متون القفار، وأخوض لجج البحار، وأركب الفلوات، وأتقحّم الغمرات، مؤمّلا أن أوصل العلق النفيس إلى من يعرفه، وأنشر المتاع الخطير ببلد من يعظّمه، وأشرّف الشريف باسم من يشرّفه، وأعرض الرفيع على من يشتريه، وأبذل الجليل لمن يجمعه ويقتنيه، فمنّ الله جلّ وعزّ بالسلامة، وحبا تعالى ذكره بالعافية، حتى حللت بعصرة [4] الخوّاف، وعصمة المضاف، والمحل الممرع، والربيع المخصب، فناء أمير المؤمنين «عبد الرحمن بن محمد» المبارك الطلعة، الميمون الغرّة، الجمّ الفواضل، الكثير النوافل، الغيث في المحل، الثّمال [5] في الأزل، البدر الطالع، الصبح الساطع، الضوء
(1) الصّوان: ما يصان به أو فيه الكتب والملابس ونحوها. والجمع: أصونة. ويقال فيه صوان بضم الصاد وفتحها وكسرها.
(2) الفائدة: ما استفدته من علم أو مال. وأفدت المال أعطيته. وأفدته أيضا: استفدته.
(3) الوأي: الوعد الذي يوثّقه المرء على نفسه، ويطلق أيضا على الوهم والظنّ.
(4) العصرة: الملجأ والمنجاة.
(5) الثمال بالكسر: الملجأ والغياث.