من سدّ مطّلع النّفاق عليهم ... أم من يصول كصولة الحجاج
أم من يغار على النساء حفيظة ... إذ لا يثقن بغيرة الأزواج
فتكلم الأخطل وقال: أين أمير المؤمنين يابن المراغة! فعلمت أنه الأخطل، فذببت حيال وجهي بكمّي وقلت: اخسأ، ومضيت حتى أنشدته كلّها، فقال الخليفة: اجلس،
فجلست، ثم قال: قم يا أخطل، هات مديح أمير المؤمنين، فقام حيالي فأنشد أشعر الناس وأمدح الناس، فقال له الخليفة: أنت شاعرنا ومادحنا، اركبه، فرمى بردائه وألقى قميصه على منكبه ووضع يده على عنقي، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن النصراني الكافر لا يعلو ولا يظهر على المسلم ولا يركبه، فقال أهل المجلس: صدق يا أمير المؤمنين، فقال: دعه، وانتقض المجلس وخرجنا، فدخل الوفد عليه ثمانية أيام مع محمد كلّهن أحجب فلا أدخل عليه، ثم دخلوا في التاسع وأخذوا جوائزهم وتهيّأوا في العاشر للدخول والتوديع للرحيل، فقال محمد: يا أبا حزرة، ما لي لا أراك تتجهز؟ قلت: وكيف وأمير المؤمنين عليّ ساخط! ما أنا ببارح أو يرضى عنّى، فلما دخل عليه محمد ليودّعه، قال: يا أمير المؤمنين، إن ابن الخطفي مادحك وشاعرك ومادح الحجّاج سيفك وأمينك، وقد لزمتنا له صحبة وذمام، فإن رأيت أن تأذن له! فإنه أبى أن يخرج معنا وأنت غضبان، وآلى أنه لا يخرج أو ترضى عنه، فيدخل ويودّعك، فأذن لي، فدخلت عليه ودعوت له، فقال: إنما أنت للحجاج، قلت: ولك يا أمير المؤمنين، ثم استأذنته في الإنشاد، فسكت ولم يأذن لي، فاندفعت فقلت: [الوافر]
أتصحو أم فؤادك غير صاح
فقال: بل فؤادك
عشيّة همّ صحبك بالرواح
حتى فرغت منها وعلمت أني إن خرجت بغير جائزة كان إسقاطي آخر الدهر، فلما بلغت إلى شكوى أم حزرة قلت في أثر ذلك:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
فجعل يقول: نحن كذلك، ثم قال: ردّها عليّ، فرددتها فطرب لذلك، وقال: ويحك! أتراها ترويها مائة من الإبل؟ قلت: نعم إن كانت من نعم كلب، وقد كنت رأيت خمسمائة من نعم كلب مخصّفة ذراها ثنيانا وجذعانا، فقال: أخرجوا له مائة من النعم التي جاءت من عند كلب ولا ترذلوها، فشكرت له وشكر له أصحابي ومن شهدني من العرب، ثم قلت: يا أمير المؤمنين، إنما نحن أشياخ من أهل العراق وليس في واحد منا فضل عن راحلته، قال:
أفنعجل لك أثمانها؟ قلت: لا، ولكن الرّعاء يا أمير المؤمنين، فنظر جنبتيه ثم قال لجلسائه ك كم يجزي مائة من الإبل؟ قالوا: ثمانية يا أمير المؤمنين، فأمر بثمانية أعبد: أربعة صقالبة، وأربعة نوبيّة، وإذا قد أهدى إليه بعض الدّهاقين ثلاث صحاف فضة وهنّ بين يديه يقرعهنّ بالخيزرانة، فقلت: المحلب يا أمير المؤمنين. فندس [1] إليّ منهن واحدة وقال: خذها لا نفعتك! قلت: بلى، كلّ ما أخذته منك ينفعني إن شاء الله، وانصرفنا وودّعناه. وكتب محمد إلى أبيه بالحديث كلّه، فلما قدمنا على الحجاج قال لي: أما والله لولا أن يبلغ أمير المؤمنين
(1) ندس إلى منهن واحدة: قذفني بها. ط