فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 971

الدهر؟ فقال: يا أمير المؤمنين، صدع الدهر قناتي، وأثكلني لداتي، وأوهى عمادي، وشيّب سوادي، وأسرع في تلادى، ولقد عشت زمنا أصبي الكعاب، وأسرّ الأصحاب، وأجيد الضّراب، فبان ذلك عنّي، ودنا الموت منّي، وأنشأ يقول: [الطويل]

غبرت زمانا يرهب القرن جانبي ... كأنّي شتيم [1] باسل القلب خادر [2]

يخاف عدوّي صولتي ويهابني ... ويكرمني قرني وجاري المجاور

وتصبي الكعاب لمّتي [3] وشمائلي ... كأنّي غصن ناعم النّبت ناضر

فبان شبابي واعترتني رثية [4] ... كأنّي قناة أطّرتها المآطر

أدبّ إذا رمت القيام كأنني ... لدى المشي قرم قيده متقاصر

وقصر الفتى شيب وموت كلاهما ... له سائق يسعى بذاك وناظر

وكيف يلذّ العيش من ليس زائلا ... رهين أمور ليس فيها مصادر

فقال معاوية: أحسنت القول! واعلم أن لها مصادر فنسأل الله أن يجعلها من الصادرين بخير، فقد أوردنا أنفسنا موارد نرغب إلى الله أن يصدرنا عنها وهو راض.

[1136] وحدثنا أبو بكر رحمه الله قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن عمه قال: قدم علينا البصرة رجل من أهل البادية شيخ كبير فقصدته فوجدته يخضب لحيته، فقال: ما حاجتك؟ فقلت: بلغني ما خصّك الله به فجئتك أقتبس من علمك، فقال: أتيتني وأنا أخضب وإن الخضاب لمن علامات الكبر، وطال والله ما غدوت على صيد الوحوش، ومشيت أمام الجيوش، واختلت بالرّداء، وهؤت بالنساء، وقريت الضيف، وأرويت السّيف، وشربت الراح، ونادمت الجحجاح [5] ، فاليوم قد حناني الكبر، وضعف مني البصر، وجاء بعد الصّفو الكدر، ثم قبض على لحيته وأنشأ يقول: [البسيط]

شيب تغيّبه كيما تغرّبه ... كبيعك الثّوب مطويّا على حرق

قد كنت كالغصن ترتاح الرّياح له ... فصرت عودا بلا ماء ولا ورق

صبرا على الدهر إن الدهر ذو غير ... وأهله منه بين الصّفو والرّنق

قال أبو علي قال أبو زيد يقال: هؤت بالرجل خيرا أهوء به هوءا إذا أزننته [6] به، وإنه لذو هوءة إذا كان ذا رأي ماضيا، قال العجاج:

لا عاجز الهوء ولا جعد القدم

(1) الشتيم: الأسد العابس. ط

(2) الخادر: الأسد المقيم في خدره. ط

(3) اللمة: الشعر المجاوز شحمة الأذن. ط

(4) رثية: ضعف. ط

(5) الجحجاح: السيد الكريم. ط

(6) أزننته: ظننته. ط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت