العزيز بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن كلاب بن أميّة بن الأسكر خرج في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وأمية يومئذ شيخ كبير، وخرج معه أخ له آخر، فانبعث أمية يقول: [البسيط]
يا أم هيثم ماذا قلت أبلاني ... ريب المنون وهذان الجديدان
إمّا تري حجري قد ركّ [1] جانبه ... فقد يسرّك صلبا غير كذّان [2]
إمّا تريني لا أمضي إلى سفر ... إلّا معى واحد منكم أو اثنان
ولست أهدى [3] بلادا كنت أسكنها ... قد كنت أهدى بها نفسي وصحباني
يا ابني أمية إني عنكما غاني ... وما الغنى غير أني مرعش فاني
يا ابني أمية إن لا تشهدا كبري ... فإن نأيكما والثّكل مثلان
إذا يحمل الفرس الأحوى ثلاثتنا ... وإذ فراقكما والموت سيّان
أصبحت هزءا لراعي الضّأن أعجبه ... ماذا يريبك منّي راعي الضان
انعق بضأنك في نجم تحفّره ... من الأباطح واحبسها بجمدان
إن ترع ضأنا فإنّي قد رعيتهم ... بيض الوجوه بني عمّي وإخواني
وقال أيضا: [الوافر]
لمن شيخان قد نشدا كلابا ... كتاب الله إن رقب الكتابا
ننفّض مهده شفقا عليه ... ونجنبه أباعرنا الصّعابا
إذا هتفت حمامة بطن واد ... على بيضاتها دعوا كلابا
تركت أباك مرعشة يداه ... وأمّك ما تسيغ لها شرابا
أناديه وولّاني قفاه ... فلا وأبي كلاب ما أصابا
فإنّ مهاجرين تكنّفاه ... ليترك شيخه خطئا وخابا
وإن أباك حيث علمتماه ... يطارد أينقا شسبا [4] طرابا
إذا بلغ الرّسيم فكان شدّا ... يخرّ فخالط الذّقن الترابا
فلما أنشدها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، كتب إلى سعد بن أبي وقاص: أن رحّل كلاب بن أميّة بن الأسكر، فرحّله. فقدم على عمر بن الخطاب فأمر به فأدخل، ثم أرسل إلى أمية فتحدث معه ساعة، ثم قال: يا أبا كلاب، ما أحبّ الأشياء إليك اليوم؟ قال: ما أحب اليوم شيئا، ما أفرح بخير، ولا يسوءني شر، فقال عمر رضي الله عنه:
(1) ر ك: ضعف وانهار. ط
(2) الكذان: الرخو. ط
(3) كذا في الأصل بالدال المهملة في هذين الفعلين ولتحرر الرواية. ط
(4) شسب: جمع شاسب وهو النحيف اليابس من الضمر. ط