فهرس الكتاب

الصفحة 715 من 971

قال: وأخبرنا محمد بن أبي الأزهر، قال: حدثنا الزبير، قال: حدثنا أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا سعيد بن عامر الضبعي، عن جويرية بن أسماء قال: لما أراد معاوية البيعة ليزيد ولده، كتب إلى مروان وهو عامله على المدينة، فقرأ كتابه وقال: إن أمير المؤمنين قد كبر سنّه ورقّ عظمه، وقد خاف أن يأتيه أمر الله فيدع الناس كالغنم لا راعي لها، وقد أحب أن يعلم علما ويقيم إماما. فقالوا: وفّق الله أمير المؤمنين وسدّده ليفعل. فكتب بذلك إلى معاوية، فكتب إليه: أن سمّ يزيد. قال: فقرأ الكتاب عليهم وسمى يزيد، فقام عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما فقال: كذبت والله يا مروان وكذب معاوية معك! لا يكون ذلك! لا تحدثوا علينا سنّة الروم! كلما مات هرقل قام مكانه هرقل! فقال مروان: إن هذا الذي قال لوالديه: أفّ لكما أتعدانني أن أخرج، قال: فسمعت ذلك عائشة رضي الله تعالى عنها فقالت: ألابن الصدّيق يقول هذا! استروني، فستروها فقالت: كذبت والله يا

مروان، إنّ ذلك لرجل معروف نسبه. قال: فكتب بذلك مروان إلى معاوية، فأقبل، فلما دنا من المدينة استقبله أهلها فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر رضوان الله عليهم أجمعين، فأقبل على عبد الرحمن بن أبي بكر فسبّه وقال: لا مرحبا بك ولا أهلا، فلما دخل الحسين عليه قال لا مرحبا بك ولا أهلا، بدنة يترقرق دمها والله مهريقه. فلما دخل ابن الزبير قال: لا مرحبا بك ولا أهلا، ضبّ تلعة مدخل رأسه تحت ذنبه. فلما دخل عبد الله بن عمر قال: لا مرحبا بك ولا أهلا وسبّه، فقال: إني لست بأهل لهذه المقالة، قال: بلى ولما هو شرّ منها. قال: فدخل معاوية المدينة وأقام بها، وخرج هؤلاء الرهط معتمرين، فلما كان وقت الحج خرج معاوية حاجّا، فأقبل بعضهم على بعض، فقالوا: لعلّه قد ندم، فأقبلوا يستقبلونه. قال: فلما دخل ابن عمر قال:

مرحبا بك وأهلا يابن الفاروق، هاتوا لأبي عبد الرحمن دابّة. وقال لابن أبي بكر: مرحبا بابن الصّدّيق، هاتوا له دابة. وقال لابن الزّبير: مرحبا بابن حواري رسول الله، هاتوا له دابة.

وقال للحسين: مرحبا بابن رسول الله هاتوا له دابة. وجعلت ألطافه تدخل عليهم ظاهرة يراها الناس ويحسن إذنهم وشفاعتهم. قال: ثم أرسل إليهم فقال بعضهم لبعض: من يكلّمه؟

فأقبلوا على الحسين فأبى، فقالوا لابن الزبير: هات فأنت صاحبنا. قال: على أن تعطوني عهد الله ألّا أقول شيئا إلّا تابعتموني عليه، قال: فأخذ عهودهم رجلا رجلا ورضي من ابن عمر بدون ما رضي به من صاحبيه. قال: فدخلوا عليه، فدعاهم إلى بيعة يزيد، فسكتوا.

فقال: أجيبوني، فسكتوا. فقال: أجيبوني، فسكتوا. فقال لابن الزبير: هات فأنت صاحبهم.

قال: اختر منّا خصلة من ثلاث. قال: إن في ثلاث لمخرجا. قال: إما أن تفعل كما فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. قال: ماذا فعل؟ قال: لم يستخلف أحدا. قال: وماذا؟ قال: أو تفعل كما فعل أبو بكر. قال: فعل ماذا؟ قال: نظر إلى رجل من عرض قريش فولّاه. قال: وماذا؟

قال: أو تفعل كما فعل عمر بن الخطاب. قال: فعل ماذا؟ قال: جعلها شورى في ستة من قريش. قال: ألا تسمعون! إنّي قد عوّدتكم على نفسي عادة وإني أكره أن أمنعكموها قبل أن أبيّن لكم، إن كنت لا أزال أتكلم بالكلام فتعترضون عليّ فيه وتردّون عليّ، وإنّى قائم فقائل مقالة، فإياكم أن تعترضوا حتى أتمّها، فإن صدقت فعليّ صدقي، وإن كذبت فعلي كذبي.

والله لا ينطق أحد منكم في مقالتي إلا ضربت عنقه. ثم وكّل بكلّ رجل من القوم رجلين يحفظانه لئلا يتكلم، وقام خطيبا فقال: إن عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر قد بايعوا فبايعوا. فانجفل الناس عليه يبايعونه، حتى إذا فرغ من البيعة ركب نجائبه فرمى إلى الشام وتركهم. فأقبل الناس على الرهط يلومونهم، فقالوا:

والله ما بايعنا، ولكن فعل بنا وفعل [1] .

[20] وحدثنا إسحاق قال: كان أشعب إذا حدّث عن عبد الله بن عمر يقول: قال

(1) انظر: «العواصم من القواصم» لابن العربي (2/ 447440) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت