فهرس الكتاب

الصفحة 756 من 971

يلوم على فرط الأسى ويفنّد ... خليّ من الوجد الذي يتجدّد

ويكبر أن ينهلّ دمع أراقه ... تضرّم نار في الحشا ليس تخمد

ويستصغر الرّزء الذي جلّ قدره ... وكلّ امرئ باك عليه ومسعد

حرام على الأجفان أن ترد الكرى ... أجل مالها إلا التّسهّد مورد

وبسل على المحزون أن يقبل الأسى ... بلى حظّه حزن به الدهر يكمد

فما لجفوني عذرة حين ترقد ... ولا لدموعي سلوة حين تجمد

هو الدهر يرمينا بأسهم صرفه ... فيصمي الرّمايا حين يرمي ويقصد

فلا جمع إلّا والزمان مفرّق ... ولا شمل إلا بالخطوب مبدّد

ولا عهد إلا والليالي وصرفها ... تحول به عن كل ما كنت تعهد

ولا حال إلا وهي رهن تنقّل ... إذا صلحت في اليوم أفسدها الغد

جرت عادة الدنيا بكل الذي ترى ... وليس لها ترك لما تتعوّد

فصبرا وتسليما لكل ملمّة ... إذا لم يكن يوما على الدهر منجد

لعمرك ما أصبحت جلدا على التي ... منيت بها لكنّني أتجلّد

أفي كلّ يوم يفقد الدهر ماجدا ... يعزّ علينا فقده حين يفقد

وتفجعنا الدنيا بعلق مضنّة ... تنافس فيها ما حيينا وتحسد

نودّع خلّان الصفاء وتقطع ال ... مقادير منّا ودّ من يتودّد

نفارق من نلقى الرّدى بفراقه ... وينأى القريب الإلف منا ويبعد

أرانا بصرف الدهر نفنى وننفد ... وتفنى صروف الدهر أيضا وتنفد

عليك أبا بكر سلام ورحمة ... بها في جنان الخلد أنت مخلّد

وجاد ثرى ضمّنته كلّ وابل ... من المزن وكّاف يراح ويرعد

إذا ما استطار البرق في جناباته ... حسبت الظّبا فيه عشاء تجرّد

وإن أرزمت فيه الرّواعد خلته ... حنين متال في يفاع يردّد

فقد ضمّ منك التّرب مجدا وسوددا ... يقصّر عن أدنى مداه المسوّد

فقدناك فقدان المصابيح في الدّجى ... إذا ضلّ عن قصد الهداية مقصد

وماتت بموت العلم منك قلوبنا ... وكنت حياها لم تزل بك ترشد

لتبكك أبكار المعالي وعونها ... وغرّ القوافي حين تروى وتنشد

تسير مسير الأنجم الزّهر كلّما ... خبا ضوء شعر أشرقت تتوقّد

لأنشرت بالعلم الخليل فخلتنا ... نشاهده إن ضمّنا منك مشهد

وجالستنا بالأصمعيّ ومعمر ... وأوجدتنا ما لم يكن قبل يوجد

وخلنا أبا زيد لدينا ممثّلا ... وأنت بفضل العلم أعلى وأزيد

وشاهدتنا بالمازنيّ وعلمه ... وما غاب عنّا إذ حضرت المبرّد

وكنت إماما في الروايات كلّها ... يضاف إليك الصّدق فيها ويسند

هوت أنجم الآداب والعلم واغتدت ... رياضهما من بعده وهي همّد

وكان جناب العلم إذ كان مخصبا ... وأفنانه ميل رواء تميّد

فقد أصبحت مذبان وهي هشائم ... ثوابتها تجتثّ منها وتعضد

مضيت أبا بكر حميدا وخلّفت ... مساعيك فضلا بيننا ليس يجحد

كما ودّع الغيث الذي عمّ نفعه ... وأضحى به كلّ البرية يرفد

توحّدت بالآداب والعلم والحجا ... فأنت بحسن الذكر منها موحّد

حمدنا بك الأيّام ثمّت عاضنا ... مصابك منها ذمّ ما كان يحمد

شهدنا على الأيّام أنّ سرورها ... غرور كما كنا بفضلك نشهد

على أيّ شيء منك نأسى إذا جرت ... محاسن وصف بادئات وعوّد

على علمك الوارى الزّناد إذا غدا ... زناد امرئ في علمه وهو مصلد

وأخلاقك العرّ التي لو تجسّدت ... لكانت نجوم السّعد حين تجسّد

على رأيك الماضي المضيء الذي به ... يفضّ رتاج الخطب والخطب مؤصد

لقد شملت فيك الرّزيّة يعربا ... ولم يخل منها فيك من يتمعدد

مضى ابن دريد ثم خلّد بعده ... صوائر أمثال تغور وتنجد

بدائع من نظم ونثر كأنّها ... عقود زهاها درّها حين تعقد

كأن لم تكن تروى غليل مسامع ... بقول به يطفى الغليل ويبرد

ولم تنده الخصم الألدّ بمسكت ... يغادره مستوهلا يتلدّد

ولم توقظ الآراء عند سناتها ... وقد توسن الآراء حينا وترقد

ولم تجل أصداء القلوب ولم يقم ... ثقافك منها كلّ ما يتأوّد

فما منك معتاض ولا عنك سلوة ... نظيرك معدوم وحزني مؤبّد

عليك سلام الله ما ذرّ شارق ... وغرد في الأيك الحمام المغرّد

* * * كمل الكتاب والحمد لله وحده حمدا كثيرا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت