(35 ) ) فسخّر له الريح والشياطين، وملّكه عليهم، وهذا هو عطاؤه تعالى له، وكانت له الزلفى - أي القربة عنده تعالى في الدنيا، وله في الآخرة حسن الثواب. وداود وسليمان من الأوّابين - أي الراجعين إلى الله بالتوبة، يعني أنه كانت بهما هنات، ومثلهما كان أيوب، قيل أخطأ في حقّ الله فعوقب بأن نزعت عنه نعم المال والعيال والصحة، ولكنه صبر ثماني عشرة سنة، حتى أعاده الله تعالى إلى حظيرة رضاه، لمّا تضرّع له ودعاه، فآتاه أهله ومثل عددهم، وأعاد إليه ماله وأتباعه، وعوّضه خيرا عن عياله، فكانت قصته عظة لغيره، وكان صبره مضرب الأمثال (انظر قصته في باب قصص القرآن) . وكذلك كان إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أنبياء وأئمة، وأعطاهم الله خير الدنيا والآخرة، فقال فيهم: (أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ(45) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ) (47) ، يعني أنهم كانوا أهل بصيرة وحكمة، وكانوا أولى بأس وقوة، فقوتهم هي قوة الحكمة، وحكمتهم هي حكمة القوة، فعاشوا في الدنيا ولم ينسوا الآخرة، وأخذوا من الدنيا ما يؤهلهم للآخرة، واصطفاهم ربّهم ليكونوا نموذجا للناس يقتدى، واصطفاؤهم نتيجة لأعمالهم في مجال الخير، فلأنهم أخيار كانوا المصطفين، لا كما يقول اليهود اليوم أنهم مصطفون، سواء كانوا أخيارا أو أشرارا - فهذا هو عهد الله لهم، بئس ما يقولون. ومن الأخيار أيضا كان إسماعيل واليسع وذو الكفل، فأمّا إسماعيل فهو الذبيح الذي كانت قصته مع أبيه أساس الحج عند المسلمين، فشعائر الحج كلها مبنية على هذه القصة؛ وأما اليسع فقيل هو الخضر؛ وذو الكفل قيل لم يكن نبيا ولكنه تكفّل بأمر من أمور الأنبياء وقام به فسمّى هكذا. وهؤلاء الأنبياء يذكرون في الدنيا ولهم في الآخرة الجزاء الأوفى، جنات عدن مفتّحة الأبواب، وعدن هي الإقامة، فهي جنات الإقامة الدائمة والحياة الخالدة؛ بينما للطاغين شرّ مآب، أي شرّ المنقلب، ونقيضه حسن المآب للمتّقين. وما كان لمحمد منذرا وداعيا إلى الله، وأنه لا إله إلا الله الواحد القهّار، وما كان تنزّل القرآن عليه إلا نبأ عظيما وحادثة فريدة لم يتجاوبوا معها، وما كان محمد له العلم بالملإ الأعلى - أي الملائكة، وإنما رسول يوحى إليه، وما كان بوسعه أن يلمّ بما حدث من إبليس حين خلق الله آدم، لولا ما يوحى الله له به من الأخبار والقصص، واستكبر إبليس أن يسجد لآدم، بدعوى أنه من نار وآدم من طين، فكيف يسجد الفاضل للمفضول، فاستحق اللعن، وأن يطرد من الجنة مرجوما، قال إبليس: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (83) فكان جوابه تعالى - وهو الحق ولا يقول إلا الحق، أنه سيملأ جهنم من الشيطان ومن أتباعه، وما كان بلاغ النبيّ صلى الله عليه وسلم لأهل مكة بالقرآن لكي يتقاضى منهم أجرا عليه، ولا