فهرس الكتاب
وفي الحديث أيضا: «لمّا خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة» . وقال: «أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس، وجعل الله لهم عقولا كنملة سليمان، وأخذ عليهم العهد بأنه ربّهم، وأن لا إله غيره، فأقرّوا بذلك والتزموه، وأعلمهم أنه سيبعث إليهم الرسل، فشهد بعضهم على بعض، وأشهد عليهم السماوات السبع، فليس من أحد يولد إلى يوم القيامة إلا وقد أخذ عليه العهد» .
وهذا هو معنى الذرّ ومقاصد النظرية فيه، ومعنى التكليف حتى والإنسان لم يزل في الذرّ، ومرامى المسئولية المترتبة على هذا التكليف. وانفرد القرآن بعرض هذه النظرية التي لا مثيل لها سواء في اليهودية أو في النصرانية، تلخص الخلق كله، والفطرة التي عليها الإنسان، والصراع فيه بين الإيمان والكفران، والخير والشرّ، والأخذ بمنهج الرحمن أو بمنهج الشيطان.
بيّنتها الآية: (إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا) (142) (النساء) ، فمن صلّى كصلاتهم، وذكر كذكرهم، لحق بهم في عدم القبول، وخرج عن مقتضى قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ) (2) (المؤمنون) .
ذو الحجر في الآية: (هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ) (5) (الفجر) هو ذو العقل أو اللّب، وذو الحلم، وذو الستر؛ والحجر بمعنى العقل، وهو استخدام جديد ليس في اللغات اللاتينية والألمانية والإنجليزية والفرنسية والروسية والعبرية إلخ، وعند ترجمته إلى أي منها يترجم بأنه العقل. وأصل الحجر هو المنع، فيقال لمن يملك نفسه ويمنعها: إنه لذو حجر؛ ومنه سمّى الحجر لامتناعه بصلابته؛ ومنه قولنا: قضت المحكمة بالحجر على فلان، أي منعه من التصرف في أمواله وأملاكه؛ ومنه كذلك الحجرة لامتناع ما فيها بها. وفي الآية: (وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ) (الأنعام 138) أنها أنعام محرّمة، وحرث ممنوع؛ وفي الآية: (وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) (22) (الفرقان 22) أي حجر الله عليهم البشرى وحرّمها عليهم، بمعنى أن الملائكة تقول لهم نعوذ بالله منكم، والعرب يقولون إنه لذو حجر، إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها، كأنه حجر عليها ويمنعها. فهل رأيت الآن كم