والْقاسِطُونَ)؛ وأما الجناس فكما في قوله: (نَقْعُدُ مَقاعِدَ) ؛ وأما الاستعارة فكما في قوله: (كُنَّا طَرائِقَ قِدَدًا) ؛ وأما السجع فكما في قوله: «أحدا، وولدا، ورصدا، ورشدا، وصعدا، وعددا» ويسمونه السجع المرصّع، لأنه يرصّع رءوس الآيات، ومن أجمل التعابير قوله: (يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا) يعني يكلّف المكذّب أن يرتقى الصّعود، وهو الجبل الأشم على قمته صخرة ملساء، فإذا بلغها بعد جهد انزلق فينحدر من حالق إلى أسفل، فيضرب ليصعد من جديد، لينزلق مرة أخرى وثالثة ورابعة ... إلخ، وذلك هو العذاب الذي ما بعده عذاب، وعلى منواله في الأدب العالمي، أسطورة سيزيف اليونانية، فإنه بلعنة من الآلهة صار على سيزيف أن يصعد الجبل بالحجر، حتى إذا شارف القمة تدحرج بالحجر من عل إلى أسفل لينهض ويحاول من جديد بلا نهاية، وهذه الصورة للعذاب مما يضرب به المثل، وتتكرر في القرآن مرة أخرى في سورة المدّثر في الآية: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) (17) . فهذا بعض ما في هذه السورة المباركة من الكمال والجمال والحق والخير، والحمد لله على نعمة القرآن والإسلام.
رقمها الثالثة والسبعون في المصحف، وترتيبها في التنزيل الثالثة، وتأتي بعد القلم، وآياتها عشرون آية، وهي من السور المكية، إلا الآيات 10 و 11 و 20 فمدنية، وتتناول جانبا من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في تبتّله وقيامه الليل، وفي تلاوته للقرآن، وصبره على المكذّبين، ومن ثم كان اسم السورة «المزمّل» ؛ والمزمل أصلها المتزمّل، قيل زمّل الرسالة، أو النبوة، أو القرآن، أي حمّلها ولكنه فتر عنها، أو أن المعنى أنه المزمل زمّل نفسه بالثياب، فكان - كما تقول عائشة - يتزمّل بمرط، لا هو خزّ، ولا قزّ، ولا شعر ماعز، ولا إبريسم (أى حرير) ، ولا صوف: سداه الشّعر، ولحمته الوبر»، ومن قول عائشة هذا اعتبروا السورة مدنية، لأن عائشة لم تكن معه إلا في المدينة، غير أن كلام عائشة رواية لما سمعته ولكنها لم تشاهده، والجمهور على أن السورة مكية إلا من بعض آياتها، وقيل: إنه حتى في المدينة كان صلى الله عليه وسلم يبلغه سوء قول المشركين فيه، فيشتد عليه، فيتزمّل في ثيابه ويتدثّر، ولذا كانت السورة التي تليها في النزول تخاطبه بنفس الطريقة: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) ، والصحيح أن السورتين نزلتا في ابتداء ما أوحى إليه، فلما جاء الملك، واستمع إليه، ارتعد وارتجف، وأتى أهله فقال الكلمة المشهورة: زمّلونى ودثّرونى، وذلك هو التفسير المادى، وإنما هناك التفسير الرسالى، وهو أبعد من أن يتصل بالأغطية والدثر، أو بما طرأ عليه من