فهرس الكتاب
وإن اجتمع التدبير والوصية بالعتق، تساويا، وقد يقدّم التدبير. ويعتق المدبّر بعد الموت من ثلث المال، والمدبّر لا يرث ولا يورث لأنه لا مال له، وأما المكاتب فإن مات وله ما يورث، ورثه ورثته بعد أداء بقية كتابته لسيده إن كان عليه منها شيء. وفي الإسلام الآن لا يوجد رقّ ولا رقيق، ولا مكاتب، ولا عتيق، ولا مدبّر، وصار الناس جميعا أحرارا، إلا ما تحاول الرأسمالية أن تحييه باستغلال العمال وطبقة الفلاحين والطبقة المتوسطة، واسترقاق هؤلاء جميعا لمصلحة الاستعمار الجديد والإمبريالية العالمية. والله المستعان.
يخاطب القرآن أصحاب العقول، ولذا يأتي فيه دائما «أفلا تعقلون» مثلما في الآية (أَفَلا تَعْقِلُونَ) (44) ، والآية (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (73) من سورة البقرة. والعقل يأتي في القرآن 49 مرة، وفي اللغة يقال عقال البعير لأنه يمنع عن الحركة، والمعقل هو الحصن المنيع. والعقل نقيض الجهل. والمسلمون على القول بأن العقل ليس بقديم ولا معدوم، فلو كان معدوما لما اختص بالاتصاف به الإنسان دون غيره، ولما تباين الناس بشأنه، وقد ثبت وجوده، ولكن يستحيل القول بقدمه، لأنه لا قديم إلا الله. والعقل mind خلاف الذهن brain ، وخلاف المخ cerebrum ، فالعقل هو قوة الإدراك، والذهن قوة الفهم في العقل، والمخ قطعة اللحم في الدماغ بها خصائص الإدراك والحسّ، وهو مكان العقل والذهن. ومن الفلاسفة من يقول إن الذهن في المخ، والعقل في القلب، أو أن العقل بخلاف القلب، فالعقل يدرك، ولكن القلب يفقه، والعقل لا يقسو، وإنما الذي يقسو ويرحم ويشفق هو القلب. وقد يقال للعقل النفس، وهي التي مناطها الفجور والتقوى، ومنها النفس اللّوامة، والمطمئنة، والراضية، والأمّارة بالسوء. والعقل الذي هو مناط التكاليف الشرعية: هو العلم بوجوب الواجبات العقلية، واستحالة المستحيلات، وجواز الجائزات والضروريات، ويمتنع أن يقال عاقلا من لا علم له أصلا، أو عالما من لا عقل له أصلا. والقرآن عند ما يوجه الخطاب لذوى العقول، إنما للحضّ على إدراك الحقائق، وأحيانا يخاطبهم باسم (أُولُوا الْأَلْبابِ) (19) (الرعد) ، واللّب هو العقل الخالص من الآفات والجهل، وكل لبّ عقل، وليس العكس. وأحيانا يخاطبهم القرآن باسم «أولى النّهى» كقوله: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) (54) (طه) ، والنّهى هو العقل عند ما يكون عمله النّهى عن القبيح وكل ما ينافي العقل. وتنفرد العربية باسم «النّهى» حيث لا نظير له في اللغات الأوروبية، وقد يماثله عندهم السوبر إيجو Superego أو الأنا الأعلى، وعند كنط هو