فهرس الكتاب

الصفحة 1434 من 2524

فاستطاع الخروج منها، ومن يجعل في النار هذه الطاقة على الحرق لهو القادر على أن يعطّل السبب، وهو ما جرى مع إبراهيم، وعلماء اليوم يفعلون من ذلك الكثير فيوقفون الأسباب، فلا غرابة فيما فعل الله سبحانه وإن قدروا على ذلك، فالله أقدر، وهو تعالى مثلما يحيى فإنه يميت، ولقد أحيا النار وباستطاعته أن يميتها ويلغى تأثيرها وفعلها. وبعد هذه الحادثة ما كان من الممكن أن يستمر إبراهيم يعايش هذا الحاكم أو أهل بلده، وقيل: لم يكن إبراهيم قد بلغ الرشد عند ما حرّق وكان في السادسة عشرة، فذلك ما جعله يصمم على الهجرة من العراق ويسير إلى فلسطين.

روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن إبراهيم حين قيّدوه ليلقوه في النار، قال: لا إله إلا الله، سبحانك ربّ العالمين، لك الحمد، ولك الملك، لا شريك لك» ، قال: «ثم رموا به في المنجنيق من مضرب شاسع، فاستقبله جبريل، فقال: يا إبراهيم، ألك حاجة؟ قال: أمّا إليك فلا» ، فقال جبريل: فاسأل ربّك. فقال إبراهيم: «حسبه من سؤالى علمه بحالى» . فقال الله تعالى وهو أصدق القائلين: يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم».

كذب إبراهيم حين أراد إبعاد الشبهة عن نفسه، فردّ الاتهام على أصحابه، ونسب لكبير الأصنام أنه الذي كسرها، بتعليقه الفأس برقبته ليجعله في موضع الاتهام: (قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ(62) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) (63) (الأنبياء) ، فبيّن أن من لا يتكلم ولا يعلم لا يستحق أن يعبد، وكانت كذبته من «المعاريض» ، وفي المعاريض يمكن الكذب، وأن يشهد زورا على كبير الأصنام، وأن يسخر منهم لمّا طلب أن يسألوهم عن الفاعل، واستنكر أن يسأل عن أحجار خرساء، فإن كانوا ينطقون فإنهم مصدّقون، وإن لم يكونوا ينطقون فمن باب أولى لم يقوموا بما اتّهموا به، وفي كلامه اعتراف ضمنى بأنه الفاعل، وهو إذن لم يكذب ولا يكذب، ودلّ أن دفاعه خرج مخرج التعريض، فطالما أنها لا تنطق، فهي لا تنفع، ولا تضر، فلم يعبدونها إذن؟، كقوله: (يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ) (مريم 42) ، فأقام عليهم الحجة منهم. وفي فقه تعريض إبراهيم يجوز فرض الباطل مع الخصم ليرجع إلى الحق من ذات نفسه، بأقواله هو، وذلك أقرب في الحجة، وأقطع للشبهة. وهذا ما فعله إبراهيم، وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت