فهرس الكتاب
وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) (216) (البقرة) ، وقوله: (فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ) (52) (المائدة) ، وقوله: و (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ) (129) (الأعراف) . والله غالب على أمره، فيا أمة محمد، لا تهنوا ولا تحزنوا، ولا تكونوا في ضيق مما يمكرون، عسى ربّنا أن يبدّلنا خيرا!
الإسراء يعني السير في الليل، تقول سرى وأسرى، كسقى وأسقى، وإنما سرى إذا سرت من آخر الليل، وأسرى إذا سرت من أول الليل. والآية التي تحكى عن الإسراء تقول: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (1) (الإسراء) ، يعني أن رحلة الإسراء بدأت من أول الليل، وكانت رحلة عظيمة وآية من آيات الله، أسرى فيها بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، ورأى فيها من الأعاجيب ما رأى، فسبحان الذي حقق لنبيّه ذلك، له التنزيه والذكر العظيم، وكان سميعا بصيرا بعبده محمد صلى الله عليه وسلم، كقوله مع موسى وهارون: (إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى) (46) (طه) ، فلما كان «عام الحزن» ، ووفاة عمه أبى طالب وزوجته خديجة، وما لاقاه من قومه بعدهما، وما استشعر من غربة وهو في بلده وبين ناسه، والسجن الكبير الذي وضعوه فيه، والمهانة التي يصادفها منهم يوميا، لم يكن يشكو بثّه وحزنه إلا إلى الله، وهو العليم بحاله، والمطّلع على أحواله، فكانت رحلة الإسراء جائزة له على صبره، وخروجا به عن هذه الوحشة والقطيعة، وتسرية له، وردا لاعتبار الدين بعد أن اعتور الشك الكثيرين. وكان الإسراء إلى بيت المقدس لأنه كان إذا دعا وإذا صلى يتوجه إلى بيت المقدس، وهو مجمع أرواح الأنبياء، أراده داود ثم سليمان رمزا لوحدانية الله، ولاجتماع كلمة المسلمين على التوحيد، وإشارة إلى أن الناس صنفان: جماعة المؤمنين وجماعة الكافرين، والأولون بيتهم هو بيت الله في القدس، والآخرون بيوتهم هي بيوت النار، أو بيوت الأوثان والأصنام. وبيت المقدس بالنسبة لما حوله من عالم الناس ودنياهم بمثابة القلب من الجسد، ولا حياة لجسد بلا قلب، وكان الناس قبله بلا قلب، فصار هذا البيت هو القلب لهم يضخ الإيمان في قلوبهم، والنظرة إليه عن قرب، تشدّ الأزر، والتوجه إليه عن بعد يقوّى الروح، ويحمّس النفس، واجتماع المسلمين على الصلاة إلى بيت واحد مهما بعدت بهم الشقة، ونأت بهم الديار، يجعلهم أمة واحدة هي أمة «لا إله إلا الله» ، وحزبا واحدا هو «حزب الله» ، وسفرة النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى القدس، وزيارة البيت كانت بمثابة الحج، والإسراء