فهرس الكتاب
بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ) (61) : قيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) (الأحزاب 53) ، وقوله: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها) (النور 28) ، والصحيح أنها محكمة لأن هذه الآية خاصة بالأكل عند هؤلاء، بينما الآية الأخرى من سورة الأحزاب خاصة بالاستئذان عند الدخول إلى بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى لو كنت مدعوا، والآية: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا) خاصة بالنهي عن دخول البيوت التي ليس فيها أحد طالما لم يؤذن بذلك. وقيل إن الحديث: «لا يحتلبن أحدكم ماشية أخيه إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته، فتكسر خزانته، فينقل طعامه» ؟ ينسخ الآية، ففضلا عن أن الحديث ضعيف، والقرآن لا ينسخ بالسنّة، فإن الحديث ينهى عن شيء غير ما تأذن به الآية، لأنه ينهى عن أخذ مال الغير بدون إذنه، والآية تبيح الأكل من بيوت الآباء ومن ذكر معهم، ولا مجال للتعارض من حيث اختلف الموضوع، ويبطل النسخ. وقيل: الآية ينسخها قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ) (النساء 29) ، وسورة النساء في ترتيب النزول السادسة بينما سورة النور السادسة عشرة، ولا يصح أن تنسخ آية سابقة آية لاحقة. وهل يعتبر الأكل من بيوت أنفسهم أو آبائهم وأمهاتهم إلى آخر المذكورين - أكلا لأموال غيرهم بالباطل؟.
الآية: (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا) (63) : قيل: نسختها آية السيف، والصحيح أن الآية محكمة، وفيها أدب المسلمين إلى يوم القيامة، فالمسلمون مأمورون بالصفح والهجر الجميل، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقف على أندية الكفّار ويحييهم ويدانيهم ولا يداهنهم. وفي مثل ذلك قال إبراهيم لأبيه آزر، لما أصرّ على الكفر وأعلن خصامه لابنه أبد الدهر إن استمر على الدعوة لربّ العالمين: (قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) (مريم 47) ، فلم يعارضه إبراهيم بسوء الردّ. والسلام هنا ليس دعوة للكافر بأن يرزقه الله السلام النفسي والسلامة البدنية، وإنما هو المسالمة - أي لا شيء بيننا إذن إلا الخير، وكلّ منا في طريقه، فالسلام هو المتاركة لا التحية، وضمان الأمان له من ناحيته رغم كل شيء، وإذن يجوز تحية الكافر وأن يبدأ بها المسلم، كقوله تعالى: (لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (8) (الممتحنة) ، وفي آية السيف غير ذلك، وتحضّ على قتال من يبدأ المسلمين بالقتال، والذين يحاربونهم في دينهم، ويخرجونهم من ديارهم، وأما في غير ذلك فالبرّ والقسط، والله تعالى يقول: (قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ) (الممتحنة) ، ثم إن حسن المحاورة في الخطاب لا ينافي القتال، فلا وجه للنسخ.