فهرس الكتاب
الباب السابع
القصص في القرآن
فن القصة في القرآن
القصة من القصّ الذي هو تتبع الأثر. والقصة في القرآن عمل فريد ليس كالقصص في الآداب، فهي ليست حكاية تراعى الحكى وما قد جرى، وليست رواية تروى عن حدث وفيها التخييل، ولكنها عمل أدبيّ راق ينهج نهجا واقعيا، كقصّ الأثر، يتتبعه ولا يتجاوزه، وفي القرآن أنه تعالى يقصّ أحسن القصص، يعني يقصّها بأبدع أسلوب، وأبلغ بيان، عن أخبار الأمم السالفة من العصور الخالية. ولا يستخدم القرآن في القصّ لفظ الحكاية بدلا من القصة، لأن الحكاية تقليد وليست واقعا، وقصص القرآن واقع، وتتناول أحداثا من التاريخ، وأنباء، وتصحّح قصصا أخرى مثلها من التوراة، وتأتي بما لم تأت به التوراة، وجميعها من الماضى، ومنها قصص نزلت تثبيتا لفؤاد النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو للعظة والعبرة، أو شرحا لحكم شرعى، أو حادث تاريخى، أو لتبرئة متهم، أو تجريم مجرم، أو حلا لمشكلة، كقوله تعالى: (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ) (يوسف 111) ، وقوله: (كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ) (طه 99) ، وقوله: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) (هود 120) ، وقوله: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ) (الكهف 13) . وقيل: إن قصص القرآن تتجاوز حاجز الزمن، وحاجز المكان، والحاجز النفسي، وتلتزم في السرد المنهج الواقعى، ومنهج الصدق، بأسلوب موجز، وعرض مركّز. والقصة في القرآن أنواع، فهناك القصة المطولة: كقصة يوسف؛ وهناك القصص القصيرة: كقصة ذي القرنين؛ وهناك القصة تتنزّل بطلب من الناس: كقصة أصحاب الكهف، والقصة تتنزّل بغير طلب: كقصص نوح وآدم وغيرهما. وبعض القصص تشتمل عليها السورة بأكملها، وبعضها كقصة موسى عبارة عن مشاهد ولقطات تصوّر أوضاعا وأحوالا وأحداثا تتناسب معها، ويأتي الكلام فيها، فيه الإشارة والإيجاز والحذف، يناسب بذلك سليقة العرب، وعلى عكس ذلك تماما يكون الكلام كلما توجه الخطاب إلى بني إسرائيل، وهم على ما في توراتهم يحبون التطويل. وبعض القصص فيها الحيوان أو الطائر شخصية رئيسية في الحدث الدرامى، مثل هدهد سليمان، وحوت يونس؛ وبعضها فيها عن مخلوقات غيبية كعفريت سليمان، والجن في قصة استماعهم للقرآن؛ وبعضها فيها عن حيوان ليس له دور في العرض؛ وأكثرها حوار كما في المسرح، وأقلها سرد كما في الرواية، والأحداث فيها تتنامى حتى القمة، وأشخاص القصص من البشر من الصفوة، وهم كبار القوم، أو شخصياتهم النابهون أصحاب الفاعلية. والمرأة ليست من سواد النساء