سبيل الله. والله ينذر الطاغية إن لم ينته سيأخذه أخذ عزيز مقتدر، ومهما استنفر ناديه وعسكره وأنصاره فمآله الخسران. وتختم السورة بالأمر للنّبي صلى الله عليه وسلم خصوصا والمسلمين عموما، في حالات الاضطهاد، أن لا يطيعوا ما يدعوهم الطاغية إليه، وأن يتوجهوا لربّهم دائما مصلّين ساجدين، ويتقرّبوا إليه بالدعاء، لعل الله يأتيهم بالفرج والخلاص. والحمد لله دائما وأبدا.
السورة مكية، وآياتها خمس، وكان نزولها بعد سورة «عبس» ، وترتيبها في المصحف السابعة والتسعون، وفي التنزيل الخامسة والعشرون، وتتحدث عن نزول القرآن فيها، وكأنما القرآن تنزّل سورة واحدة، ويأتي في الآية: (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) (185) (البقرة) ، أنه تنزّل في رمضان؛ وفي الآية: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ) (3) (الدخان) : أنه تنزّل في ليلة واحدة وكانت لذلك ليلة مباركة؛ وفي الآية: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (1) (القدر) : أن هذه الليلة كانت ليلة القدر، وقيل: كان نزول القرآن كالسورة الواحدة أو الجملة الواحدة، من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم كان جبريل ينزّله على النبيّ صلى الله عليه وسلم نجوما نجوما، وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة. وفي سورة القدر تتكرر «ليلة القدر» ثلاث مرات تشريفا وتعظيما لها، وسمّيت «ليلة القدر» ، لأن الله تعالى يقدّر الأمور فيها إلى مثلها من السنة القابلة؛ أو لأن الطاعات فيها لها قدر كبير وثواب جزيل؛ أو لأن القرآن نزل فيها وهو الكتاب ذو القدر، ونزل به ملك ذو قدر، على رسول ذي قدر، وأمّة ذات قدر؛ أو لأن الله تعالى يقدّر فيها الرحمة على عباده. وقوله فيها: (وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ) (2) فكل (وَما أَدْراكَ) في القرآن يعني «هو يدري به» ، وهي استفهام بغرض التفخيم والتعظيم؛ وفي أسباب نزولها، قيل: إن رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح وجاهد في سبيل الله ألف شهر، يعني أكثر من ثلاث وثمانين سنة! وهو قول يتّضح من أوله أنه من الإسرائيليات، قيل: وعجب النبيّ والمسلمون من القصة، وتمنّى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته مثل ذلك العمر الطويل، فقال: «يا ربّ، جعلت أمتى أقصر الأمم أعمارا وأقلها أعمالا» ، وهذا قول آخر يثبت أن الحكاية ملفقة ومزوّرة على الإسلام! قيل: فأعطاه الله ليلة القدر! يسأل المسلمون الله فيها ما يشاءون! يعني يكون لهم ما يشاءون بالدعاء وليس بالكسب والتحصيل وصالح الأعمال، وهو معنى ليس حسنا. ومع كلّ فإن ليلة القدر على الصحيح من أكثر الليالى بركة لما اختصت به من الفضل من ثلاثة