الملائكة، وما كانت تسجد لآدم كآدم، فمن اسمه أنه من الأديم أي التراب، ولكنها سجدت للعلم، كقوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ(31) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) (33) (البقرة) ، فكأن آدم تعلّم مباشرة عن الله، وهو تعالى العليم الحكيم، فصار هو أيضا عليما حكيما بالتبعية، فذلك ما سجدت له الملائكة في آدم، وهو أول درس يتعلمه محمد صلى الله عليه وسلم، وكأنه آدم آخر، وشتّان بينهما، فآدم الأول عهد الله إليه: (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) (115) (طه) ، وآدم الثاني - نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم - عهد إليه فأوفى، وكان من أولى العزم، وأول الآيات التي تنزلت عليه كانت للعلم، وكانت بمثابة المقدمة الضرورية، وتلتها أربع عشرة آية (السورة كلها 19 آية) نزلت من بعد الخمس، وتشكّل أول تعاليم الرسالة المحمدية، فإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم سيتعلم العلم عنه تعالى، فإنما ليعلّمه بدوره وليس ليختزنه، فالعلم المختزن هو العلم العقيم. ورسالة الإسلام: إذن: هي التعليم ونشر العلم، ومن يعلم العلم الحقّ يعبده تعالى ويوحّده عن حقّ. وأول سطر في الرسالة: أن الإنسان بعد أن خلقه الله وأضفى عليه من النّعم وكرّمه، استكبر على ربّه وطغى، فقد صار غنيا وذا مال، فأشر وبطر، ونموذجه في السيرة أبو جهل، يقابله أبو بكر فقد تعلم ووعى الدرس فآمن وتواضع لله وأنفق ماله في سبيل الله، وشتّان بين النموذجين. فلما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتبليغ قام خطيبا في عشيرته الأقربين ومنهم أبو جهل، فسخر من النبيّ صلى الله عليه وسلم وسخّفه، ولما رآه يصلى نهاه، والآية: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى(9) عَبْدًا إِذا صَلَّى) (10) تعجب من حال أبى جهل، ويصفه تعالى بالطغيان، وكان يتباهى ويقول: لئن رأيت محمدا يصلى لأطأنّ عنقه! - وكان الأولى بهذا الدعيّ أن ينظر فيما أتى به النبيّ صلى الله عليه وسلم، وما ذا تعنى صلاته؟ وما ذا يقول فيها؟ وهل كان يحضّ على التقوى؟ ولكنه أعرض عن أن يفكر، وآثر إلا أن يكذب، ورفض أن يسمع وتولّى، وكل ذلك في أبى جهل ولكنه أيضا يسرى على كل من يؤذى المؤمنين ويعطل الدعوة ويقبّح الإسلام، ويسجن الداعين، ويحظر على المسلمين أن يأخذوا بالجانب الإيجابي من دينهم، ويريدهم أن لا يروا في الإسلام إلا الجانب الطقوسى أو العبادى، وأن يسقطوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح بالتي هي أحسن، والجهاد بالحوار والكلمة الطيبة، إلا إذا أخرج المسلمون من ديارهم وأوذوا في دينهم فعندئذ فقط يتوجب عليهم أن يقاتلوا في