(كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ) (13) : مثل يضرب لشدة اليأس من تحقق مأرب، فالكفار الأحياء إذا مات لهم عزيز يعرفون أنه لن يعود إليهم ولن تقوم له قائمة من بعد، ويقال: يئسوا كما يئس الكفار من أصحاب القبور، وقيل في هؤلاء أنهم الذين كانوا يتعللون دوما ويقولون: (وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ) (24) (الجاثية) .
(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) (8) : هذا مثل يضرب لمن يريد تكذيب الحق. وقيل إن نور الله هو القرآن، يريدون إبطاله وتكذيبه؛ وقيل هو الإسلام: يريدون دفعه بالكلام؛ وقيل هو محمد صلى الله عليه وسلم: يريدون هلاكه بالأراجيف؛ وقيل: هو حجج الله ودلائله، يريدون إبطالها بإنكارها؛ وقيل: هو مثل مضروب، بمعنى أنه مثل من يريد إطفاء نور الشمس بفمه فوجده مستحيلا ممتنعا، فكذلك من أراد إبطال الحق.
(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا) (5) : ضرب هذا المثل لليهود لمّا تركوا العمل بالتوراة، مع ذلك كانوا يحفظونها، فكان حالهم كحال الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زمبيل؟ فهكذا اليهود، وفي هذا تنبيه لمن يحمل كتابا أن يتعلم معانيه ويعلّم ما فيه، لئلا يلحقه من الذمّ ما لحق اليهود.
(إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) (14) : هذا المثل يوجد مثله في كتب اليهود، في نبوءة ميخا (الفصل السابع 5 - 6) ، قال: «لا تأمن صديقا ولا تثق بصاحب واحفظ مداخل فمك من التي تنام في حضنك، فإن الابن يستهين بأبيه، والابنة تقوم على أمها، والكنّة على حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته» ، غير أن سياق السورة لا يوحى بهذا المعنى المتشائم عند ميخا، فإن القرآن يحذّر من أن الزوجة والأولاد قد يعلّمان الإنسان الشح، وأن ينأى بنفسه عن الجهاد في سبيل الله، ومثل ذلك قوله تعالى في السورة نفسها: (إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) (15) كأن يلجأ المرء بسبب الأولاد إلى الكسب الحرام ليكفيهم،