فهرس الكتاب
فى القرآن كله لم يحدث أن عذّب الله قوما إلا بعد أن يخرج النبيّ من بينهم والمؤمنون، ويتوجهوا إلى حيث أمروا، وذلك ما حدث مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل مكة، قال تعالى: (وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (33) (الأنفال) ، فلولا أنه صلى الله عليه وسلم يساكنهم، ومنهم من آمن أو سيؤمن، وعندئذ سيستغفرون، لأنزل بهم العذاب، وقال: (وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (34) (الأنفال) ، يعني أنهم استحقوا العذاب، فقد صدوا المسلمين عن المسجد الحرام، ولم يتّقوا الله في أنفسهم ولا في المؤمنين، وفي تفسير الآية قال صلى الله عليه وسلم: «أنزل الله عليّ أمانين لأمتى: (وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (33) (الأنفال) . وقيل: كان رجل في المدينة أيام النبيّ صلى الله عليه وسلم وقد أسرف على نفسه، ولم يكن يتحرّج، فلما أن توفى النبيّ صلى الله عليه وسلم، زهد وتاب، وأظهر الدين والنّسك، فقيل له: لو فعلت هذا والنبيّ صلى الله عليه وسلم حيّ لفرح بك! قال: كان لي أمانان، فمضى واحد، وبقى الآخر، فقوله تعالى: (وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) (33) (الأنفال) فهذا أمان، ومضى بوفاته صلى الله عليه وسلم، وقوله (وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (33) (الأنفال) أمان ثان، وهو ما بقى للرجل، فلزم أن يستغفر وإلا عذّب. وأما أهل مكة فإن الله عذّبهم بالسيف بعد خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم.
أمسك النبيّ صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين، رغم أذاهم الشديد له، وعلمه بنفاقهم، وفي سورة البقرة وحدها ثلاث عشرة آية فيهم، والسبب في عدم قتلهم أنه يقصد إلى تأليف القلوب عليه لئلا تنفر عنه، قال: «معاذ الله أن يتحدث الناس أنى أقتل أصحابى» أخرجه البخاري ومسلم، وكان يعطى المؤلفة قلوبهم ما يتألف به قلوبهم مع علمه بسوء اعتقادهم. وفي قوله تعالى: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا(60) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا) (61) (الأحزاب) أنهم يقتلون إذا أعلنوا النفاق، والنفاق أيام الرسول صلى الله عليه وسلم يعادل أقوال المدّعين للعلمانية والتنوير اليوم، وكفّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ليبيّن لأمته أن القاضي لا يحكم بعلمه بدون شهادة الشهود، ولم يشهد على عبد الله بن أبيّ إلا زيد بن أرقم، ولا على الجلاس بن سويد إلا ربيبه عمير بن سعد، والواجب أن يكون الشهود اثنين، والذي يعلن