السورة مكية، وآياتها ستون، ونزلت بعد الأحقاف، وترتيبها في المصحف الواحدة والخمسون، وفي الترتيب السابعة والستون، واسمها الذاريات من قوله تعالى في مستهلها: (وَالذَّارِياتِ ذَرْوًا(1) فَالْحامِلاتِ وِقْرًا (2) فَالْجارِياتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا) (4) يقسم بآية من آياته كالشأن في السور المكية، وهي هذه المرة الرياح، لها أحوال أربعة مختلفة، وإذا أقسم الربّ بشيء أثبت له شرفا: فالرياح تكون ذاريات: لأنها تذروا الأمطار ذروا. فصارت ذاريات؛ وتكون حاملات الأوقار، والمفرد وقر، يعني تحمل أنصبة كل بلد أثقالا من الأمطار؛ وتكون جاريات يسرا: تجري رخاء، ويسمونها الرياح التجارية، لأنها تسيّر المراكب إلى حيث تقصد؛ وتكون مقسّمات، فمنها العاصف، والطيبة، والقاصف، والرواكد، والرخاء، والممطرة، والعقيم، والصرصر العاتية، واللواقح، والمبشّرات. وجواب القسم: أن الذي يعدكم به هذا القرآن من البعث والنشر والحساب والعقاب لأمر واقع. وكما أقسم الله تعالى بالريح فإنه يقسم بالسماء ويصفها أروع وصف أنها «ذات الحبك» ، يعني محبوكة البناء، متناسقة، مرفوعة، متسعة الأرجاء، أنيقة البهاء، مكللة بالنجوم الثوابت والسيارات، موشّحة بالكواكب الزاهرات. ثم يتوجه بالقسم إلى المنكرين فيقول: (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ(8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) (10) ، يقصد بهم أهل مكة الذين اختلفوا في أمر محمد والقرآن، وهم بين مصدق ومكذّب، فمن قائل بأنه ساحر، أو شاعر، أو مجنون، أو كاهن، أو أن هذا القرآن ليس سوى أساطير الأولين، أو أنه افتراه، ومنهم من نفى الحشر، ومن شكّ فيه، ولا يؤفك ويصرف عن الإيمان إلا الضالون الغمور المأفونون الذين لا أفهام لهم، وإنهم لخرّاصون كذّابون، ساهون غافلون في غمرتهم ولهوهم، ولقد تساءلوا عجبا واستهزاء عن يوم الدين، فجزاؤهم جهنم يفتنون عليها ويعذّبون. ثم تتحدث السورة عن المتّقين وهم المؤمنون، وما أعد لهم في الآخرة من النعيم والكرامة، لأنهم كانوا في الدنيا محسنين، فبعد أن ذكر الله تعالى الكفار ومآلهم في الجزء السابق، ذكر المتقين ومآلهم في هذا الجزء، على طريقة القرآن الجدلية في الترحيب والترغيب، وإيراد المتقابلات، لتتضح المقارنة وتقع المفاضلة ويتم الاختيار. ثم تنتقل السورة إلى ما يقوّى في الناس اختيار الإيمان، بإيراد الدلائل على وجود الله، وعلى قدرته المطلقة، كقوله تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (21) ، والأرض في مختلف بقاعها حافلة بالآيات والعبر، وفي خلق الناس من نطفة وعلقة ومضغة ولحم وعظم آيات وآيات، وفي أرزاق كل إنسان، وكيف كانت الأرزاق