فهرس الكتاب
يدخلوا في الإسلام». فبسبب التعبير «يضع السيف» سميت بآية السيف. ودليل بطلان القول بأن قتلهم كان على إطلاقه، ولم يكن له أسبابه من نقضهم العهود، أن الآية: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) (محمد 4) جاءت بعدها وتحضّ على قتال الكفار، ولكنها تقرّ بأن يكون هناك أسرى، وللمسلمين بعد الحرب، إن شاءوا منّوا عليهم وأطلقوا أسرهم مجانا، وإن شاءوا فادوهم بالمال، وإن شاءوا قتلوهم، وهذا الحكم مشرّع لحالة الحرب وحدها إلى أن تضع الحرب أوزارها. وعلى ذلك فإن آية سورة المزمل التي تقول: (إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا) (19) لم تنسخها آية أخرى كما يدّعى البعض، يعني أن سورة المزمل تؤكد حرية الناس أن يؤمنوا أو يكفروا، فلا إكراه في الدين. وكغيرها من سور القرآن لها جمالياتها، ففيها من السجع المرصّع، أمثال: «قليلا، وترتيلا، وثقيلا، وقيلا، وطويلا، وتبتيلا ... » إلخ؛ ومن الطباق، أمثال: «المشرق، والمغرب، واللّيل والنّهار» ؛ ومن الجناس، أمثال: أرسلنا الرسولا؛ ومن التأكيد للتبيين والإيضاح، أمثال: «رتّل ترتيلا، وتبتّل تبتيلا» ؛ ومن الاستعارة أمثال: (وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا) ولله الحمد والمنّة، وهو الموفّق للصواب.
السورة مكية، نزلت بعد المزمل، وترتيبها في المصحف الرابعة والسبعون، وفي التنزيل الرابعة، وعدد آياتها ست وخمسون، وتتحدث عن بعض أمور الرسالة في ابتدائها، واعتراضات المعترضين عليه صلى الله عليه وسلم، وما ينتظرهم من العقاب والعذاب، فكل نفس بما كسبت رهينة، ولا تنفع شفاعة الشافعين. وفي مناسبة تسمية السورة أن الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد تكليفه في حراء (بكسر الحاء) ، فتر عنه الوحي لمدة ورآه بعدها عند ما كان يهبط يوما إلى بطن الوادى، فتملكه الخوف لدى رؤيته، وذهب إلى زوجته خديجة يقول لها: «دثّرونى وصبّوا عليّ ماء باردا» . فنزلت: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) (7) . وفي رواية أخرى أن الوليد بن المغيرة، أحد زعماء قريش وزنادقتها، وكان يعادى الإسلام ويبغض الرسول صلى الله عليه وسلم، جمع قريشا على طعام وقال لهم: إن الناس يأتونكم أيام الحج فيسألونكم عن محمد، فتختلف أقوالكم فيه، فيقول هذا: كاهن. ويقول هذا: شاعر. ويقول هذا: مجنون. وليس محمد يشبه واحدا مما يقولون، ولكن أصلح ما يقال فيه: «ساحر» ، لأنه