الجنّة، لأنهم كانوا خزنتها، وكانوا يأتون الأعمال الباهرة العجيبة، ومن ذلك قولنا: به جنّة، أي يقول عجبا! فلما فسق إبليس عن أمر ربّه تبعته الجنّ، فهؤلاء جنوده في الآية: (وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ) (95) (الشعراء) ، وغضب الله على إبليس وجنوده فمسخهم شياطين، من شطن أي بعد عن الخير، وصار إبليس هو الشيطان، لبعده عن الحق وتمرّده، وصار كل عات متمرّد من الجن والإنس شيطانا أو يقال له شيطان.
المعتزلة على القول بأن الجنّة في قوله تعالى لآدم: (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (البقرة 35) ، المقصود بها البستان الذي بأرض عدن، وأخذوا هذا القول عن اليهود: أن جنة عدن شرقا أعدّها الله في الأرض لسكنى آدم وزوجته وجعلها كالبستان، وأنبت فيها الشجر المثمر والزهور الطيبة، وأجرى فيها الماء (التكوين 2/ 8) ، غير أن قول اليهود كان نتيجة خلو اعتقادهم أصلا من الجنة والنار في الآخرة، وعندهم الجنة والنار في الدنيا وعلى الأرض، والمعتزلة اعتقدوا في الجنة والنار الأخرويين، ولكنهم قالوا إن جنة آدم أرضية ومعناها البستان وليس المعنى المتعارف عليه. وحجة المعتزلة: أن جنة آدم لو كانت جنة الخلد لما وصل إليها إبليس أصلا، فإنه تعالى يقول: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) (45) (الحجر) ، وإبليس لم يتق الله ليستحق دخول الجنة. ثم إن ما قاله لآدم وحواء غواية والغواية من اللغو والتأثيم وهو تعالى يقول: (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا كِذَّابًا) (35) (النبأ) ، ويقول: (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا(25) إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا) (26) (الواقعة) . ولقد طرد إبليس من الجنة لما عصى ربّه، فكيف دخل ثانية ليكيد لآدم وحواء، إلا أن تكون الجنة المعنية هي جنة الأرض وليست جنة الخلد؟ وجنة الخلد يدخلها الداخلون فلا يخرجون منها لقوله تعالى: (وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ) (48) (الحجر) . ولو كانت جنة آدم هي جنة الخلد ما استطاع إبليس أن يكيد لآدم وحواء ويخرجهما منها، فالجنة موضع مقدس عن الخطايا والمعاصي، ومطهّر عنها، وإبليس قد لغا فيها وكذب أكبر وأفدح كذبة في الوجود، والمعتزلة التي قالت بذلك أول فرقة انتصرت للعقل على النقل، وأعملت العقل في كافة النصوص الدينية، فاعتزلوا أهل الجماعة والسنّة، فقيل فيهم إنهم المعتزلة لهذا السبب، وكان ذلك في النصف الأول من القرن الثاني الهجرى. ويحبط أقوال المعتزلة أن الله تعالى عاقب آدم وحواء وإبليس وسائر المخلوقات بأن أمرهم بالهبوط، وهو النزول من أعلى إلى أسفل، يعني من جنة السماء إلى الأرض، فلا يصحّ أن يكون الهبوط من أرض إلى أرض!