فهرس الكتاب

الصفحة 1640 من 2524

لأنه كان كأنه لم يهرم مع أنه معمّر، فعوده أخضر دائما، واللون الأخضر هو أجمل وأنقى الألوان، ويوافق البصر، لأن الأبيض يبدّد النظر ويؤلم العين، والأسود مذموم مكروه، والأخضر بين الأبيض والأسود، ويجمع إليه الشعاع. وقيل: إن الخضر شرب من «عين الحياة» ، هذا النبع الصافى الذي يبقى من يشرب منه شابا للأبد، ويعيد للشيوخ شبابهم، ومعنى أنه سيظل أخضر أنه لن ييبس، أي لن يشيخ. وقيل هو «عبد صالح» وليس بنبيّ، يريد المفسرون بذلك أن ينفوا عنه النبوّة، ويخصّوه بالولاية، فتكون الولاية أفضل من النبوّة، لأن موسى جاءه يتعلم ولم يصمد كتلميذ، وقال الله تعالى في موسى: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) (39) (طه) ، بينما قال في الخضر: (آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) (65) (الكهف) ، فخصّ موسى بالمحبة، وخصّ الخضر بالرحمة، لأن من القصص فيه قد يبدو أنه قاس غليظ القلب، إلا أن ذلك هو الظاهر منه، فأما الباطن فهو الرحمة الخالصة، وأما العلم فهو علم خاص ليس كعلومنا، جاءه من لدنّ الله - أي من عنده مباشرة - ويسمى لذلك «العلم اللدنيّ» ، قيل: هو علم الغيب، وليس من نبيّ ولا ولى إلا ويعلم الخضر الغيب عنه، يأذن له به الله. ولو قارنا بين علم الخضر وعلم موسى، فإن علم الخضر هو «علم الباطن» ، وعلم موسى هو «علم الأحكام» . والذي يعلم البواطن هو العالم بما سيجري في المستقبل، فيكون على ذلك من «أهل المستقبل» ، وعلمه هو «علم المستقبل» ، يعني أن له طول العمر ليشهد المستقبل، وأما علم الأحكام فهو «علم الحاضر» ، والعالم به يكفيه أن يعيش الحاضر، ومن أجل ذلك سمى الخضر باسمه هذا: الخضر، لأنه حيّ دائما بإذن الله.

يقال ذلك ولا شيء يؤكده، وقيل اليسع هو إلياس، وليس كذلك لأن الله تعالى أفرد كل واحد بالذكر فقال: (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ(85) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ) (86) (الأنعام) .

قيل وهو قول الظن: الخضر نبيّ معمّر محجوب عن الأبصار. وقيل: الخضر يلتقى النبيّ إلياس كل عام ما داما حيين على الأرض. ولا يوجد نصّ على أن الخضر لم يمت، وليس الخضر إلا بشرا من بشر، أوتى كرامات وكلّف بمهام، والله تعالى يقول: (نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت