فقد نجّاهما وقومهما من العبودية للفرعون، ونصرهم فكانوا الغالبين، وآتاهم التوراة البليغ في بيانه، قبل أن يحرّفوه ويكتبه من تأليفه عزير، فسلام على موسى وهارون لأنهما كان من المؤمنين المحسنين. وكذلك إلياس بن ياسين، من سبط هارون، كان من المرسلين، ودعا قومه لعبادة الله وترك عبادة البعل، فكذّبوه إلا المخلصين، فسلام عليه في الآخرين. وكان لوط من المرسلين، ونجّاه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين. ويونس الذي هرب إلى البحر وركب السفينة، وألقاه أصحابها منها لينجوا، فالتقطه الحوت وهو الملوم، فلولا أنه كان من المسبّحين الذاكرين، للبث في بطن الحوت إلى يوم البعث، ولكنه استغفر ربّه، فنبذه الحوت بالعراء، ونمت عليه شجرة يقطين تظله وتقيه الشمس، وأرسل إلى قوم آمنوا به. فهل بعد هذه القصص يصرّون على الكفر، وينسبون لله أن له ولدا، وأن الملائكة بناته؟ فسبحان الله عما يصفون! وكانوا قبل القرآن يتمنون كتابا لهم كالتوراة والإنجيل، فلما تنزّل عليهم القرآن كفروا به، ولكن الله غالب على أمره، وأنبياءه هم المنصورون، وفي حالة نبيّنا ما عليه سوى الإعراض عن الكفّار إلى فترة، ولينتظر يوم ينزل بهم العذاب، ولسوف يبصرون عاقبة كفرهم، وساء استعجالهم للعذاب. واختتمت السورة بالدعاء: (سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ(180) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (182) ، فلله الحمد والمنّة.
السورة مكية، وآياتها ثمان وثمانون، وكان نزولها بعد سورة القمر، وترتيبها في المصحف وفي التنزيل الثامنة والثلاثون، وتسميتها بسورة ص حيث ص حرف من حروف الهجاء التي تتكون منها كلمات وعبارات القرآن المعجز، ورغم أن حروف الهجاء معروفة للجميع، إلا أنهم عجزوا أن يركّبوا منها ولو سورة من هذا القرآن المبين. ومثل ص الحروف المقطّعة «الم» ، و «المر» في أوائل السور، ومع ذلك فقد حاول البعض إيجاد تفسير للحرف ص في أول السورة، فقال: إنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه تعالى، حيث يبدأ اسمه الصمد مثلا، أو اسمه الصانع، بالحرف ص. وقالوا: هو اسم من أسماء القرآن، أو أنه فاتحة السورة، ومما استأثر الله بعلمه، والصحيح هو ما قلناه أولا. وقسمه تعالى بقوله: (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) (1) ، تنبيه لجلال قدر القرآن، كقوله: (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ) (10) (الأنبياء) أي شرفكم، والقرآن شريف في نفسه لإعجازه واشتماله على ما لا يشتمل عليه غيره، أو أنه «ذو الذكر» لأنه يحفل بالمواعظ المذكّرة لهم بالله،