فهرس الكتاب

الصفحة 1224 من 2524

القيامة - يوم الصاخة كما تسميه السورة وتنفرد به دون سائر سور القرآن كلها، وفيه تصخّ الأسماع، أي يكون صوت الصور، أي النفير، من العلو بحيث يخرق حاجز الصوت، فيحدث الموت دون تدمير، لعدم قدرة الجهاز العصبي على الاحتمال، وكما نقول ينفجر الجهاز العصبي مع زيادة أحمال الصوت عليه أكثر مما يمكن أن يستطيعه في أسوأ الحالات، وهو إعجاز علمي لم يكشف عنه إلا مع اختراع الطائرات التي تسير بسرعة أكبر من سرعة الصوت وتخرق حاجزه، فكانت نوافذ المنازل تتحطم، ويتدمّر الزجاج. ويأتي أروع بيان ليوم القيامة في قوله تعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ(34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (37) ، والصورة أبلغ من أي كلام، والهول الذي ترسمه ألفاظا هول عظيم، والخطب الذي تخطّه عبارات، خطب جليل، فكل إنسان يلقى من كان ألصق الناس به قرابة، وأحبّهم إلى نفسه، فلا يعرفه، فلا قابيل يعرف هابيل، ولا هارون يعرف موسى، ولا آدم يعرف حواء، ولا نوح يعرف ابنه، ولا إبراهيم يعرف أباه، ولا لوط يعرف امرأته، وكل واحد منهم لا يقول إلّا: «نفسي! نفسي!» . ولمّا قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة إن الناس يوم القيامة يبعثون عراة، استهولت ذلك وسألت: أو يرى بعضنا عورة بعض؟! قال: يا عائشة! الأمر أشدّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض!: «لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه» ! - وفي هذا اليوم يأتي أن الناس صنفان، فإما مسفر الوجه ضاحك مستبشر، فذلك هو المؤمن، وإمّا مغبّر الوجه أسوده يغطيه الكسوف، فذلك هو الكافر الفاجر، وكما قالت عائشة: وا سوأتاه من يوم القيامة! وكما في الحديث الصحيح في أمر الشفاعة في هذا اليوم من شدّة الخطب على الناس أنه: حتى عيسى ابن مريم يقول: لا أسأل الله اليوم إلا نفسي! لا أسأله مريم التي ولدتنى! - يعني لا يسأل ربّه الشفاعة في أمه! فأي يوم هذا على الكافرين عسير! وهذه السورة إنما ليتعظ الكافرون، ويعتبر المؤمنون، فهل من مذكّر؟ نسأل الله النجاة والعافية، والحمد لله ربّ العالمين على منّة الإسلام ونعمة القرآن المبين.

السورة مكية، والسور المكية عموما تتناول من موضوعاتها العقيدة، وتخصّ بالكثير من آياتها يوم القيامة، وأكثر السور المكية احتفالا بهذا اليوم ثلاث سور: التكوير، والانفطار، والانشقاق. وكان نزول سورة التكوير بعد سورة «المسد» ، وآياتها تسع وعشرون آية، وترتيبها في المصحف الواحدة والثمانون، وفي التنزيل السابعة. ويشتق اسمها من استهلال السورة بقوله تعالى: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) (1) ، وتكويرها لا يكون إلا يوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت